قطوعات الكهرباء.. حين تكشف الأزمات فشل إدارة الدولة

تيسير المبارك

لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد مشكلة خدمية عابرة أو ظرفاً استثنائياً يمكن تجاوزه بالصبر والانتظار، بل تحولت إلى عنوان يومي لمعاناة ملايين المواطنين، وإلى مؤشر واضح على عمق الأزمة التي تعيشها مؤسسات الدولة وعجزها عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة للناس.

في المدن والأحياء الواقعة تحت سيطرة حكومة بورتسودان، أصبح انقطاع التيار الكهربائي جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ساعات طويلة من الظلام، وأجهزة كهربائية معطلة، ومياه تنقطع بسبب توقف محطات الضخ، ومستشفيات تكافح للحفاظ على خدماتها وسط نقص الوقود والمولدات. أما المواطن البسيط، فقد أصبح يدفع ثمن هذه الأزمة من صحته وراحته واستقراره النفسي.

إن الكهرباء ليست خدمة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بل هي عصب الحياة الحديثة. فهي مرتبطة بالمياه والصحة والتعليم والإنتاج والتجارة والاتصالات. وعندما تعجز الدولة عن توفيرها بصورة مستقرة، فإن آثار ذلك تمتد إلى كل مناحي الحياة، وتتحول الأزمة إلى عبء اقتصادي واجتماعي يثقل كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية.

والسؤال الذي يطرحه السودانيون اليوم هو: لماذا تستمر هذه الأزمة رغم الوعود المتكررة؟ ولماذا تتفاقم معاناة المواطنين بينما تغيب الحلول الجذرية؟ فبعد سنوات من الأزمات والانهيارات، لم يعد الناس يبحثون عن تبريرات أو بيانات رسمية، بل يبحثون عن خدمة مستقرة تحفظ لهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.

الأزمة لا تتوقف عند حدود المنازل. فالمستشفيات تواجه تحديات كبيرة في تشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية واللقاحات، بينما تتعطل مصالح المواطنين والأعمال التجارية بسبب الانقطاعات المتكررة. كما تتأثر العملية التعليمية، خاصة في ظل اعتماد كثير من المؤسسات على الوسائل التقنية والإلكترونية التي تحتاج إلى تيار كهربائي مستقر.

وفي ظل هذه الظروف، يشعر كثير من العاملين في قطاعات الخدمات العامة بأنهم تُركوا يواجهون الأزمات وحدهم. فالمهندسون والفنيون والعاملون في الكهرباء والمياه والصحة يؤدون أعمالهم في بيئة شديدة الصعوبة، بينما تتآكل أجورهم وتزداد أعباؤهم المهنية يوماً بعد يوم. وهؤلاء لا يطالبون سوى بحقوق تمكنهم من الاستمرار في أداء واجباتهم تجاه المجتمع.

إن إدارة الدولة لا تُقاس بالخطب والشعارات، بل بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين. وعندما تصبح الكهرباء حلماً يومياً لملايين الناس، فإن ذلك يعكس خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات وفي إدارة الموارد المتاحة.

لقد أثبتت التجارب أن استقرار الخدمات لا يتحقق عبر المعالجات المؤقتة أو الحلول الإسعافية، وإنما من خلال التخطيط السليم والاستثمار في البنية التحتية وتوفير التمويل اللازم لقطاعات الخدمات الحيوية. كما يتطلب الأمر شفافية في إدارة الأزمات ومصارحة المواطنين بحقائق الأوضاع والتحديات.

إن استمرار قطوعات الكهرباء بهذه الصورة لا يعني فقط مزيداً من المعاناة اليومية، بل يهدد النشاط الاقتصادي ويقوض فرص التعافي والاستقرار. فالدول لا تُبنى في الظلام، ولا يمكن الحديث عن التنمية بينما يعيش المواطن ساعات طويلة بلا كهرباء أو مياه أو خدمات أساسية.

ويبقى المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف في هذه الأزمة، يدفع الثمن كل يوم من راحته وصحته ودخله المحدود. ولذلك فإن معالجة أزمة الكهرباء لم تعد خياراً مؤجلاً، بل أصبحت ضرورة وطنية عاجلة، لأن استمرارها يعني استمرار معاناة الناس واتساع فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

فحين تعجز الحكومات عن إنارة بيوت الناس، يصبح الظلام أكثر من مجرد انقطاع للكهرباء؛ إنه انعكاس لأزمة إدارة تحتاج إلى حلول حقيقية قبل أن تتحول إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.