إطالة أمد الحرب في السودان.. من يدفع الثمن؟

نورا عثمان

كلما أشرقت شمس يوم جديد على السودان، يزداد عدد الذين فقدوا منازلهم، وتتسع قوائم النازحين، وتزداد معاناة الأسر التي تبحث عن لقمة العيش أو جرعة دواء أو مقعد دراسي لأطفالها. فالحرب التي اندلعت قبل أكثر من ثلاثة أعوام لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى مأساة إنسانية شاملة يدفع ثمنها ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم أسرى لصراع لا يملكون القدرة على إيقافه.
وعندما يُطرح سؤال: من يدفع ثمن إطالة أمد الحرب؟ فإن الإجابة لا تحتاج إلى كثير من البحث. الثمن يدفعه المواطن البسيط الذي فقد مصدر دخله، والأم التي تكافح لإطعام أطفالها، والطالب الذي انقطع عن الدراسة، والمريض الذي يعجز عن الحصول على العلاج، والموظف الذي تآكل راتبه حتى أصبح عاجزاً عن تلبية أبسط متطلبات الحياة.
لقد دمرت الحرب أجزاء واسعة من البنية التحتية، وألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد الوطني، وأدخلت ملايين السودانيين في دائرة الفقر والعوز. وبينما تستمر المعارك في بعض المناطق، تتراجع الخدمات الأساسية بصورة مخيفة، وتصبح الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم أحلاماً بعيدة المنال بالنسبة لكثير من المواطنين.
والأكثر إيلاماً أن الحرب لم تكتفِ بتدمير الحاضر، بل بدأت تلتهم المستقبل أيضاً. فجيلاً كاملاً من الأطفال والشباب يواجه خطر الحرمان من التعليم والاستقرار النفسي والاجتماعي. والمدارس التي كانت تصنع الأحلام تحولت في بعض المناطق إلى مراكز إيواء أو مبانٍ مهجورة، بينما اضطر آلاف المعلمين والطلاب إلى النزوح أو التوقف عن مواصلة مسيرتهم التعليمية.
وفي الجانب الاقتصادي، لا يحتاج المواطن إلى تقارير أو إحصاءات ليدرك حجم الكارثة. يكفي أن يذهب إلى السوق ليرى كيف تتضاعف الأسعار، أو أن ينظر إلى راتبه الذي أصبح عاجزاً عن مجاراة أبسط احتياجات الأسرة. لقد أصبحت الحياة اليومية معركة حقيقية يخوضها السودانيون من أجل البقاء، بينما تتآكل مدخراتهم وتضيق أمامهم فرص العمل والإنتاج.
إن استمرار الحرب لا ينتج منتصرين بقدر ما ينتج مزيداً من الخسائر الوطنية. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الانهيار الاقتصادي، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من الضغوط على الخدمات العامة، ومزيداً من الجراح التي ستحتاج سنوات طويلة لمعالجتها.
وفي خضم هذه المعاناة، يتساءل كثير من السودانيين عن جدوى استمرار الحرب، وعن الأسباب التي تجعل بعض القوى السياسية والعسكرية تواصل الرهان على الحلول العسكرية رغم الكلفة الإنسانية الباهظة. فبعد كل هذا الدمار، لم يعد السؤال من يربح المعركة، بل كيف يمكن إنقاذ الوطن من الانهيار الكامل.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحروب الطويلة تستهلك الدول وتُضعف المجتمعات وتُعمّق الانقسامات. أما السلام، رغم صعوبته وتعقيداته، فيظل الطريق الوحيد نحو إعادة البناء واستعادة الاستقرار. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي تغليب صوت العقل والحوار على منطق السلاح، ووضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات السياسية والعسكرية.

إن أكبر الخاسرين من إطالة أمد الحرب ليسوا القادة ولا أصحاب النفوذ، بل ملايين السودانيين الذين يحلمون فقط بالعودة إلى بيوتهم، وعودة أطفالهم إلى مدارسهم، وعودة الحياة الطبيعية إلى مدنهم وقراهم. هؤلاء هم الذين يدفعون الثمن الحقيقي كل يوم، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن تتوقف الحرب من أجلهم.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من الحكمة. ولا يحتاج إلى اتساع ساحات القتال، بل إلى اتساع مساحات التوافق والسلام. لأن الأوطان لا تُبنى بالحروب المفتوحة، وإنما تُبنى حين ينتصر صوت الحياة على صوت الدمار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.