من يشاطرني معاقرة الغمام؟!  

الجميل الفاضل

هنا، لعبة في الصمت نلعبها أنا والبحر، نتبادل الأدوار، والأسرار، والنجوي، أسامره يخامرني، أخامره يسامرني، يغادرني أغازله، يغازلني أغادره، يشاطرني معاقرة الغمام. في هنيهة أمتشق البحر ساحله

من خصره، وأسدل الأمواج فوقي، أرخي جفون الماء حولي

ثم قال لي: هيت لك؟

هيت لي يا بحر: وأنا لا أحمل علماً يُحمل على الظهور، ولا ألفاظاً تُنقل بين الدفاتر، ولا قناديلَ من المعارف المعلّقة في سقوف العقول.

أنا الوذ بأهل تصوفُ هو جوعٌ إلى الله، وهو عطشٌ لا ترويه الأنهار.

وحنينُ جزءٍ تائهٍ إلى كُلِّه العظيم.

هو يقوم علي أن تُخلع عن روحك أثوابُ الاعتياد، وتخرج من سجن الأسماء إلى فضاء المعانى، ومن ضيق النفس إلى سعة الحق، حتى تصبح الأرض التي نمشي عليها غير الأرض، والسماء التي ننظر إليها غير السماء، وأصبح أنا نفسي غير الذي كنته عما قليل.

هو امر لن تدركه يا بحر، إذ كيف تعرف سرَّ التفاحة من وصفها؟

وكيف تدرك نشوة العسل من قراءة مكوّناته؟

وكيف يروي عطش المنكبين عليك مجرد حديثُ عن الماء؟

وكيف يُدفئ المرتجفَين حولك وصفُ النار؟

إن بين العلم بالشيء وذوقه بحاراً من الأسرار.

فكم من رجلٍ حفظ أسماء النجوم، ومات قبل أن يرى الفجر.

وكم من أميٍّ لا يعرف من الحروف شيئاً، غير أن قلبه كان يقرأ علي كل ذرةٍ من الكون شيئا من كتاب ولوح وذكر.

إذ أن العقلُ مصباح، أما القلبُ فشمس.

وصحيح ان العقلُ هو الذي يطرق الباب، أما القلبُ فهو الذي في النهاية سيلج العتبة.

فالعقلُ يدور حول الحقيقة كما يدور الفلك حول القمر.

أما القلبُ إذا صفا، هبطت الحقيقة فيه كما يهبط المطر على الأرض الظمأي.

ولذلك ظل الفلاسفة يصفون البحر من بعيد، بينما ألقى العارفون بأنفسهم في الموج.

فغرقوا، ثم نجوا.

ثم عادوا يحملون في أعينهم زرقةَ الأبد.

ليس التصوف يا بحر أن تعرف الطريق، بل أن تمشيه.

وليس أن تتحدث عن النار، بل أن تحترق.

وليس أن تصف الحب، بل أن تصبح غدته.

فالأسرار لا تفتح أبوابها للمتفرجين.

والأنوار لا تسكن القلوب المستعارة.

والحقائق لا تمنح مفاتيحها لمن وقفوا عند الشواطئ يخافون البلل.

كل إشراقةٍ في الروح ثمنها مجاهدة.

وكل نافذةٍ تُفتح على الملكوت سبقها ليلٌ طويل من الصبر.

فالمنن تأتي في طي المحن، والمزايا تسري مع البلايا.

والأنهار لا تولد إلا من ذوبان الثلج.

لذلك قال أهل الله يا بحر:

من أراد المشاهدة فليصبر على المجاهدة.

فإن الطريق إلى النور يمر دائماً من قلب العتمة.

أما السير، فلا يمشيه إلا قدمك الحافي.

وأما العبور، فلا ينجزه إلا صدقك.

الشريعةُ نهر، والطريقةُ سفينة، والحقيقةُ بحر.

الشريعة أن تقف بين يديه.

والطريقة أن تسير إليه.

والحقيقة أن يغيب عنك كلُّ ما سواه.

فلا ترى في الكون إلا تجليات قدرته.

ولا تسمع في الوجود إلا تراتيل حكمته.

ولا تشهد خلف الحادثات إلا وجهه الكريم.

فما أضيق الدنيا حين تغيب عن ناظري يا ربي.

وما أوسع القبر حين تحضر برحمتك يا الهي.

إذا طلبناك للدنيا فقد جهلناك.

وإذا عبدناك للجنة فما عرفناك.

وإذا ركن القلب إلى غيرك فما ذاق طعم التوحيد.

فأنت المقصود إذا تفرقت المقاصد.

وأنت الوطن إذا ضاقت المنافي.

وأنت النبع إذا جفّت الآبار.

وأنت النور إذا انطفأت الكواكب.

التصوف عندنا يا بحر ليس فراراً من الحياة.

بل فرارٌ من الوهم إلى الحقيقة.

ليس هروباً من العالم، بل تحرراً من عبوديته.

هو أن تصبح أقوى لأنك بالله، وأرحم لأنك بالله، وأعلم لأنك بالله، وأعدل لأنك بالله.

فكل علمٍ لا يورث خشيته حجاب.

وكل عبادةٍ لا تورث محبته تعب.

وكل معرفةٍ لا تورث تواضعاً سراب.

فالصوفي يا بحر لا يزهد في الأشياء لأنها فانية، لكن لأنها لا تستحق أن تنافس الله في القلب.

فيحمل الدنيا كما يحمل المسافر قربة الماء.

ينتفع بها، ولا يسكن إليها.

ويمر بها، ولا يقيم فيها.

ويستخدمها، ولا يعبدها.

من وجد الله، فقد وجد السرَّ الذي تبحث عنه الأكوان منذ ولادتها.

ومن فقد الله، سيظل يجمع الرماد وهو يظنه ذهباً.

فالناس يركضون خلف الظلال.

والعارفون يبحثون عن الشمس.

والفرق بينهما كالفرق بين من يشرب من سراب، ومن يضع شفتيه على عين ماء.

وحين يبلغ السالك آخر الطريق، يكتشف أن الطريق لم يكن إلا إليه. وأن الحجاب كان نفسه ذاتها.

وأن المسافة كانت وهماً.

وأن الباب الذي ظل يطرقه طويلاً كان مفتوحاً منذ البدء.

هناك تتلاشى الأنا كما يتلاشى الملح فيك يا بحر.

وللحقيقة فالتصوف ليس طقوساً، ولا أزياء، ولا أسماء طرق.

هو أن تصير قلباً.

قلباً واسعاً كالسماوات.

رحيماً كالمطر، مضيئاً كالفجر، حراً كالريح.

ممتلئاً بالله حتى لا يبقى فيك متسعٌ لغيره.

إذ حين يعود الحبُّ إلى الأرض، تسقط أسوار الكراهية، وتذبل أشجار التعصب، وتنطفئ حروب النفوس.

وتتداوي أمراض القلوب،

ليولد الإنسان من جديد.

المهم فالتصوف في جوهره ليس سوى هذا السر العظيم:

أن تحبَّ الله حتى ترى أثره في كل شيء.

وأن تحبَّ الخلق حتى لا ترى بينك وبينهم إلا أخوّة الروح.

وأن تمضي في الوجود خفيفاً كدعاءٍ صاعدٍ إلى السماء.

موقناً أن الرحلة كلها، من أول العمر إلى آخره، ليست سوى عودةِ قطرةٍ إلى بحرها الأول.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.