في انتظار «الإعيسر» ليعيد صياغة العقول!!

بقلم: مناهل أبوقصيص

أخيراً، تنفّسنا الصعداء بعدما عثرنا على بوصلة الحقيقة الضائعة. فلا داعي بعد اليوم لتصديق ما تراه العيون، أو الاستماع إلى شهود الميدان، أو حتى إلى العمال الناجين من جحيم جبل “العيقاد” الذين تملأ مقاطعهم المصوّرة منصات التواصل الاجتماعي.. فمن قال إن دماء الكادحين في مناجم الذهب تستحق عناء التفكير أو البحث؟

القاعدة الذهبية باتت واضحة لا لبس فيها: “نحن نغمض عين الحقيقة، ونرى فقط ما تراه الدولة”. فالدولة أدرى، ونحن – يا للمفارقة لا يمكننا بأي حال أن نرى أفضل مما تراه، أو نفهم أكثر مما تسمح لنا بفهمه.

منذ فجر الثلاثاء، والغرف الإعلامية التي وُصفت بالمغرضة لا تكف عن إزعاج رؤوسنا. ناشطون يتحدثون عن طائرات «مييج» ومدرعات عبرت الحدود، وتجمعات مدنية تطالب بتحقيقات دولية، ومنظمات حقوقية تصرخ من هول ما تصفه بـ”المجزرة”. لكننا، بوصفنا جمهوراً وفياً لصمت السلطة، قررنا تجميد عقولنا حتى إشعار آخر.

نحن في انتظار بيان رسمي ممهور بتوقيع وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، خالد الإعيسر، أو إطلالة حاسمة من الفريق أول ياسر العطا، ليخبرانا بحقيقة من الذي قصف أولئك «الدهابة»، وما الذي جرى بالضبط في تلك البقعة المنسية من السودان.

فالمنطق الرسمي بسيط وسهل الهضم؛ إذا قالت الدولة إن المنفذ هم «الجنجويد»، فسنصدق دون تردد. وإذا قالت إنها مؤامرة إماراتية، فسنردد الرواية بحماس… وإذا خرج البيان ليؤكد أن القصف نفذه «الجن الأحمر»، فلن نتردد في الإيمان بوجوده والبحث عنه.. فالدولة لا تخطئ، وصمتها المطبق لأيام ليس عجزاً ولا ارتباكاً سياسياً، بل هو – بلا شك – هدوء ما قبل الحقيقة الحكومية.

أما الحديث عن السيادة الوطنية والكرامة، فليس سوى تشويش غير ضروري على العلاقات التاريخية.. فمصر هي «الشقيقة الكبرى» وأم الدنيا، ومهما تواترت شهادات المعدنين الفارين في الصحراء لمسافات تجاوزت الخمسين كيلومتراً، ومهما امتلأت المراكز الصحية بضحايا الشظايا وبتر الأطراف والإصابات البالغة، فلن نسمح لهذه التفاصيل الصغيرة بأن تعكر صفو الأخوة الأزلية.

وحتى لو ثبت – جدلاً – بالدليل القاطع أن الطيران الحربي أو القوات المتوغلة جاءت من هناك، فعلينا أن نستوعب الحكمة الخالدة: “إذا ضربتنا أمنا، فهي تضربنا لمصلحتنا”. أليست ضربة الحبيب، كما يقولون، كأكل الزبيب؟

لقد سئمنا من تحليلات السياسة والبنية الاقتصادية وصراخ الكادحين الذين يعتقدون أن عرقهم في تفتيت الصخور يمنحهم حقاً في الأرض أو حقاً في الاحتجاج عندما يُقتلون أو يُشردون. فالحقوق الحقيقية – كما يبدو – لا تُنتزع من باطن الجبال، بل تُصنع في غرف الامتياز المغلقة، وعلى موائد الصفقات التي تُدار بعيداً عن أعين الناس.

لذلك، ننصح الجميع بإغلاق هواتفهم، وتجاهل مقاطع المصابين، وصرف النظر عن دموع أسر المفقودين والعالقين تحت الأنقاض وفي الكهوف الجبلية، والجلوس بهدوء أمام الشاشات في انتظار الرواية الرسمية المباركة.

فهي وحدها القادرة على إقناعنا كما جرت العادة بأن كل ما حدث لم يكن سوى إشاعات مغرضة، وأن الدماء التي شوهدت لم تكن سوى سراب، وأن الضحايا مجرد أوهام عابرة في صحراء مترامية الأطراف.

أما الحقيقة، فلا داعي للعجلة بشأنها… فهي في طريقها إلينا، حالما تنتهي السلطة من كتابتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.