لم يكن أكثر ما أثار الغضب في أحداث شمال الوادي هو الحديث عن القصف الذي استهدف مناطق التعدين الأهلي داخل الأراضي السودانية، ولا التقارير التي تحدثت عن قتلى وجرحى ومفقودين من الشباب السودانيين، بل ذلك الصمت الثقيل الذي خيّم على المشهد الرسمي في بورتسودان. ففي الوقت الذي تناقلت فيه المنصات المحلية وشهود العيان روايات عن غارات جوية وتوغل بري نُسب إلى الجيش المصري، بدت الحكومة السودانية وكأنها اختارت موقع المتفرج على مأساة تجري داخل حدود البلاد وتطال مواطنيها بصورة مباشرة.
إذا صحت الروايات المتداولة، فإن السودان لا يقف أمام حادث أمني عابر، بل أمام واحدة من أخطر الوقائع المرتبطة بالسيادة الوطنية منذ اندلاع الحرب. أما إذا كانت تلك الروايات غير دقيقة أو مبالغاً فيها، فإن مسؤولية الحكومة تصبح أكبر، لأنها تركت الرأي العام نهباً للغموض والتكهنات، وعجزت حتى عن تقديم رواية رسمية متماسكة لما حدث. وفي الحالتين، تبدو النتيجة واحدة: دولة غائبة عن مواطنيها في لحظة كانوا في أمسّ الحاجة إليها.
وتتحدث تقارير ميدانية عن تعرض مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي والأنصاري وجبل العيقاد لهجمات جوية مصرية أعقبها تحرك بري، ما أدى إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى والمفقودين وسط العاملين في التعدين التقليدي.
كما أشارت روايات محلية إلى وجود مصابين عالقين داخل الآبار والمغارات الجبلية، في ظل صعوبات تواجه عمليات الإنقاذ والوصول إلى المناطق المتضررة.
وأفادت معلومات متداولة بأن الهجوم بدأ في ساعات الصباح الأولى، حيث شوهدت طائرات مقاتلة تحلق فوق المنطقة قبل تنفيذ ضربات استهدفت مواقع التعدين، بينما تحدثت روايات أخرى عن تقدم آليات ومدرعات في محيط المنطقة وإغلاق بعض المنافذ المؤدية إلى مواقع التعدين. ورغم خطورة هذه المزاعم، لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي شامل يبدد حالة الغموض التي تحيط بالحادثة.
سياسياً، كانت ردود الفعل أكثر وضوحاً من الموقف الحكومي نفسه.. فقد أدان حزب الأمة القومي ما وصفه بالهجوم المصري على مناطق التعدين داخل الأراضي السودانية، معتبراً أن أي عمل عسكري يستهدف المدنيين أو ينتهك السيادة الوطنية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وطالب الحزب بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين وضمان إنصاف الضحايا وتعويض المتضررين.
كما أصدر تحالف «تأسيس» بياناً شديد اللهجة أدان فيه الهجوم الجوي المصري على مناطق التعدين الأهلي، مشيراً إلى سقوط قتلى وجرحى ومفقودين، وإلى احتمال ارتفاع عدد الضحايا مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.. ولم يكتف التحالف بتحميل السلطات المصرية المسؤولية، بل وجّه انتقادات مباشرة للجيش السوداني، معتبراً أن استمرار الحرب أضعف قدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها.
لكن الانتقادات الأكثر حدة جاءت من القيادي بالحركة الشعبية شمال عمار نجم الدين، الذي رأى أن ما جرى يكشف عن انهيار مريع في بنية السيادة الوطنية.. واعتبر أن آلاف الشباب السودانيين الذين دفعتهم البطالة وانعدام فرص العمل إلى التعدين الأهلي وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة ما وصفه بآلة عسكرية إقليمية، بينما وقفت السلطة في بورتسودان عاجزة عن اتخاذ موقف يرقى إلى حجم الكارثة.
ويذهب هذا الطرح إلى أن القضية لا تتعلق فقط بمواجهات حول مناطق تعدين أو تنافس اقتصادي على الموارد، بل تعكس أزمة أعمق تتصل بطبيعة الدولة السودانية نفسها خلال سنوات الحرب.. فالمناطق الطرفية أصبحت أكثر هشاشة، والحدود أكثر انكشافاً، والثروات الطبيعية أكثر عرضة للتجاذبات الإقليمية، بينما يدفع المواطن العادي وحده فاتورة هذا الانهيار.
أما الحكومة المصرية، فإن الاتهامات الموجهة إليها تضعها أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تتطلب توضيحات واضحة.. فالعلاقات بين السودان ومصر ظلت لعقود تُقدم بوصفها نموذجاً للروابط التاريخية والمصالح المشتركة، لكن هذه الصورة تتعرض لاختبار صعب كلما تصاعدت الروايات التي تتحدث عن سقوط مدنيين سودانيين نتيجة عمليات عسكرية منسوبة للقاهرة. ومن دون تحقيق مستقل وشفاف، ستظل الشكوك والغضب الشعبي في تصاعد مستمر.
وفي المقابل، تبدو حكومة بورتسودان أمام اختبار لا يقل خطورة.. فالسلطة التي ترفع شعارات الكرامة والسيادة مطالبة اليوم بإثبات قدرتها على حماية مواطنيها والدفاع عن حدود البلاد، لا الاكتفاء بإدارة الحرب في الداخل. إذ لا معنى لأي خطاب عن السيادة إذا كان المواطن السوداني يشعر بأن حياته يمكن أن تُستباح دون أن يجد من يسأل عنه أو يدافع عنه.
لقد كشفت أحداث شمال الوادي، بغض النظر عن التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى تحقيق وتدقيق، عن حقيقة مؤلمة: أن آلاف السودانيين العاملين في التعدين الأهلي يعيشون في مناطق أصبحت خارج دائرة الحماية الفعلية للدولة. وبين اتهامات القصف، وأحاديث التوغل، وصمت المؤسسات الرسمية، تتسع الفجوة بين المواطن والدولة، ويتحول الإحساس بالخذلان إلى شعور عام يهدد ما تبقى من الثقة في مؤسسات الحكم.
ولهذا، فإن القضية اليوم لم تعد مجرد حادثة حدودية أو نزاعاً حول مورد اقتصادي، بل أصبحت قضية كرامة وطنية وعدالة إنسانية ومسؤولية سياسية. فدماء المعدنين الذين سقطوا في شمال الوادي تطرح سؤالاً لا تستطيع أي جهة الهروب منه: من يحمي السودانيين عندما يصبح الوطن نفسه عاجزاً عن حمايتهم؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.