عتمة «العودة» ووعود «الأمل»: أزمة الكهرباء تخنق السودانيين وسط عجز حكومي وشعارات سياسية معطلة
تقرير : عين الحقيقة
تُرافق ظلام دامس ودرجات حرارة قياسية معركة يومية أشد قسوة على ملايين السودانيين، معركة العيش في عتمة كاملة. لم يعد انقطاع التيار الكهربائي لخمس عشرة ساعة أو أكثر مجرد نكبة خدمية طارئة، بل تحوّل إلى شلل شبه تام لمفاصل الحياة الحيوية، بدءاً من انهيار الخدمات الطبية في المستشفيات وصولاً إلى توقف محطات مياه الشرب.
في خضم هذا الواقع المأساوي، تصطدم طموحات وآمال آلاف العائدين إلى ديارهم بجليد الواقع والوعود الحكومية البراقة التي لا تتجاوز المنصات والخطابات الإعلامية.
وتعود الفجوة الحادة في الإمداد الكهربائي إلى الضرر البالغ الذي لحق بمحطات التوليد وشبكات النقل القومية منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش والدعم السريع.
وأدى تعثر سلاسل إمداد الوقود وقطع الغيار إلى خروج جزء كبير من القدرة الإنتاجية للسودان عن الخدمة.
كما انعكس انقطاع التيار مباشرة على قطاع الصحة؛ حيث تعمل معظم المستشفيات بطاقاتها الأدنى عبر المولدات الخاصة التي تواجه شحاً حاداً في الوقود، ما يهدد حياة المئات من المرضى في أسرّة العناية المكثفة وحضانات الأطفال.
وتسبب انقطاع الكهرباء في توقف طلمبات ضخ المياه وسلاسل التبريد الغذائية، مما زاد من أعباء المعيشة اليومية.
الخديعة المرة وصدمة الواقع
ومع تعالي الدعوات الرسمية للعودة إلى المناطق المفترَض استقرارها، استجاب آلاف النازحين والفارين من ويلات الحرب، أملاً في استعادة بذور حياتهم السابقة. إلا أن العودة التحمت بصدمة انعدام التجهيزات والخدمات الميدانية.
ويتفاجأ العائدون بغياب تام لإمدادات الطاقة والمياه، مما يجعل البيوت المستعادة شبيهاً بكهوف معزولة عن الحياة العصرية.
باتت العائلات العائدة تُجبر على إنفاق مبالغ خيالية لشراء الوقود للمولدات أو الاعتماد على الألواح الشمسية البدائية التي لا تسد رمق الاستهلاك الأساسي.
استهلاك وسياسات ترويجية
وسابقاً، أطلقت حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس شعار “حكومة الأمل” ووعدت ببدء برنامج إسعافي لإعادة تأهيل البنية التحتية فور استلام مهامها. غير أن هذا الأمل سرعان ما تحول في نظر الشارع إلى مجرد استهلاك وسياسات ترويجية.
ويرى مراقبون أن الحكومة فشلت حتى اللحظة في تقديم خريطة طريق واضحة أو تدابير عاجلة للسيطرة على الأزمة الممتدة، مكتفية بترحيل الأسباب إلى تبادلات الاتهام والظروف القسرية.
وتُتَهم الجهات التنفيذية باستغلال دعوات “العودة للوطن” ككارت إنعاش سياسي وإعلامي يوحي باستقرار الأوضاع الميدانية، دون إيلاء الاعتبار للحد الأدنى من مقومات الحياة التي تحمي العائدين من موجة نزوح جديدة داخلية.
وتظل أزمة الكهرباء في السودان شاهدة على كلفة الحرب الباهظة وتداعياتها التي يتجرع مرارتها المواطن المغلوب على أمره. وبين خطابات الحكومة المتكررة عن “التعافي والأمل” وواقع الظلمة الخانقة، يبقى المواطن العائد محاصراً بين نار النزوح في الخارج وعتمة المأساة في الداخل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.