الإخوان المسلمون والحرب في السودان… مسؤولية سياسية لا يمكن تجاهلها

تيسير المبارك

 

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل سؤال المسؤولية يطارد جميع الأطراف التي أسهمت، بالفعل أو بالصمت أو بالتحريض، في إيصال البلاد إلى هذا المشهد الكارثي. وبين هذه الأطراف، تبرز الحركة الإسلامية السودانية وجماعة الإخوان المسلمين باعتبارهما من أكثر القوى السياسية التي يوجه إليها منتقدون اتهامات بأنها لعبت دورًا مؤثرًا في تكريس الاستقطاب السياسي والعسكري الذي سبق الحرب ورافقها.

لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح، وأودت بحياة أعداد كبيرة من المدنيين، ودمرت البنية التحتية، وأعادت البلاد عقودًا إلى الوراء. وفي ظل هذه الكارثة، يصبح من المشروع سياسيًا وأخلاقيًا مساءلة كل القوى التي دعمت استمرار الصراع، أو رفضت الحلول السياسية، أو ساهم خطابها في تأجيج المواجهة بدلاً من إخمادها.

إن الانتقاد الموجه للحركة الإسلامية لا يتعلق فقط بالماضي، وإنما أيضًا بمواقفها خلال الحرب. ويرى منتقدوها أنها لم تقدم مراجعة سياسية واضحة، ولم تتحمل نصيبها من المسؤولية عن السياسات التي ساهمت في تعقيد المشهد، بل استمر خطاب بعض رموزها في تبني لغة التعبئة والمواجهة، في وقت كان فيه المواطن السوداني يبحث عن مخرج ينهي القتال ويحفظ ما تبقى من الوطن.

إن المآسي الإنسانية التي يعيشها السودانيون اليوم تستدعي قدرًا كبيرًا من الشجاعة السياسية. فالمراجعة والاعتراف بالأخطاء ليست ضعفًا، بل بداية لاستعادة الثقة. أما الاستمرار في تبادل الاتهامات أو إنكار أي مسؤولية سياسية، فلن يعيد القتلى إلى الحياة، ولن يعيد النازحين إلى منازلهم، ولن يوقف نزيف السودان.

التاريخ لن يكتبه المنتصرون في الحرب وحدهم، بل ستكتبه أيضًا معاناة المدنيين الذين فقدوا أبناءهم وبيوتهم وأحلامهم. وسيظل السؤال مطروحًا أمام جميع القوى السياسية والعسكرية، بما فيها الحركة الإسلامية: ماذا قدمتم للسودان غير المزيد من الانقسام، وما هي مسؤوليتكم السياسية والأخلاقية عن الوصول إلى هذه اللحظة المأساوية؟

إن مستقبل السودان لن يبنى إلا بالمحاسبة والشفافية، وإخضاع جميع الفاعلين السياسيين والعسكريين للنقد والمساءلة، بعيدًا عن الانتقائية أو الحصانات السياسية. فهذه الحرب ليست مجرد معركة بين طرفين، بل مأساة وطنية تستوجب مراجعة شاملة لكل من ساهم في صناعة الأزمة أو إطالة أمدها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.