القوى السياسية السودانية… الغياب الأكبر في زمن الحرب

نورا عثمان

 

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي مزقت السودان، تبدو الحقيقة الأكثر إيلامًا أن صوت البنادق لا يزال أعلى من صوت السياسة، وأن القوى السياسية التي كان يفترض أن تقود البلاد نحو السلام أصبحت، في معظمها، غائبة عن المشهد أو عاجزة عن التأثير فيه.

لقد تحولت الحرب إلى واقع يومي، بينما اكتفت غالبية الأحزاب والتنظيمات السياسية بإصدار البيانات، وعقد المؤتمرات، والدخول في خلافات داخلية، دون أن تتمكن من تقديم مبادرة وطنية تحظى بثقة السودانيين أو تضغط بفاعلية على أطراف الصراع لوقف القتال.

الأزمة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أزمة قيادة سياسية. فالملايين الذين نزحوا من ديارهم، والمدن التي دمرتها الحرب، والانهيار الاقتصادي الذي يهدد حياة المواطنين، كلها مؤشرات على غياب مشروع سياسي قادر على انتشال البلاد من هذا النفق المظلم.

الانقسامات الحزبية، وتضارب الحسابات، والرهان على الدعم الخارجي، كلها عوامل أضعفت القوى السياسية، حتى أصبحت في نظر كثير من السودانيين جزءًا من الأزمة أكثر من كونها جزءًا من الحل. وبينما تتسع رقعة الدمار، ينشغل السياسيون بتبادل الاتهامات، وتصفية الحسابات القديمة، بدلًا من بناء جبهة وطنية موحدة تضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية.

أما آفاق الحل السياسي، فتبدو اليوم أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فلا توجد مفاوضات جادة تحقق اختراقًا حقيقيًا، ولا توجد إرادة واضحة لدى الأطراف المتحاربة لتقديم تنازلات مؤلمة من أجل السلام، كما أن المجتمع الدولي والإقليمي، رغم تعدد المبادرات، لم ينجح حتى الآن في فرض مسار يوقف نزيف الدم.

إن استمرار هذا الفراغ السياسي يمنح الحرب فرصة إضافية للاستمرار، ويجعل البلاد أكثر عرضة للتفكك والانهيار. فكل يوم يمر دون رؤية سياسية جامعة يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الدمار، ومزيدًا من فقدان الثقة في النخب التي يفترض أنها تمثل تطلعات الشعب.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب أو الشعارات، بل يحتاج إلى قيادة سياسية تمتلك الشجاعة للاعتراف بالفشل، والقدرة على تجاوز الاستقطاب، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة من أجل إنقاذ الوطن.

لقد أثبتت سنوات الحرب أن الحسم العسكري لم يحقق سلامًا، وأن استمرار الرهان عليه لن يقود إلا إلى مزيد من الخراب. وفي المقابل، فإن غياب القوى السياسية عن لعب دورها التاريخي يترك البلاد رهينة لمنطق السلاح وحده.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: متى تدرك القوى السياسية أن مسؤوليتها لا تبدأ بعد انتهاء الحرب، بل تبدأ الآن، قبل أن يفقد السودان ما تبقى من دولته ومجتمعه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.