أسعار الغذاء تشتعل في دارفور.. والجوع يطرق أبواب آلاف الأسر

تقرير: عين الحقيقة

لم يعد الحصول على الغذاء في إقليم دارفور مجرد تحدٍ يومي، بل تحول إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء. فمع استمرار الحرب، وتفاقم آثار الجفاف، وتراجع الإنتاج الزراعي، يجد ملايين السكان أنفسهم في مواجهة موجة غلاء غير مسبوقة، جعلت تأمين أبسط الاحتياجات الغذائية مهمة شاقة بالنسبة إلى آلاف الأسر.

من قولو في جبل مرة إلى نيرتتي، تتشابه المشاهد؛ أسواق تعج بالسلع مرتفعة الأسعار، وأسر تتراجع قدرتها الشرائية يومًا بعد آخر، فيما يزداد القلق من اتساع رقعة الجوع مع ضعف الموسم الزراعي واستمرار النزاع.

وقال الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، إن دارفور تشهد موسمًا يُوصف بأنه الأشد جفافًا بسبب قلة الأمطار، محذرًا من تداعيات ذلك على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الحبوب، وعلى رأسها الدخن والذرة الرفيعة، اللذان يشكلان الغذاء الرئيس لمعظم السكان.

وأوضح أن سعر مدّ الدخن بلغ نحو 12 ألف جنيه في قولو، مقابل 10 آلاف جنيه في نيرتتي، بينما تراوح سعر كيلوغرام اللحوم في قولو بين 12 و20 ألف جنيه، مقارنة بما بين 10 و15 ألف جنيه في مناطق أخرى.

ولم تتوقف موجة الغلاء عند الحبوب واللحوم، بل امتدت إلى السلع الأساسية، إذ بلغ سعر رطل السكر ثلاثة آلاف جنيه، وزجاجة الزيت خمسة آلاف جنيه، وقطعة الصابون ألفي جنيه، ورطل الملح ألفي جنيه، وهي أسعار تفوق قدرة كثير من الأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب والنزوح.

ويرى رجال أن هذه الأرقام لا تعكس تغيرات طبيعية في الأسواق، بل تكشف عن أزمة معيشية متفاقمة دفعت كثيرًا من الأسر إلى تقليص وجباتها اليومية أو التخلي عن احتياجات أساسية، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يزداد قسوة.

ولا تبدو الصورة أفضل في إقليم كردفان، حيث ارتفعت أسعار الذرة بأكثر من 200% مقارنة بالموسم الماضي، بالتزامن مع نقص الحبوب في أسواق الأبيض والدلنج، الأمر الذي دفع العديد من الأسر إلى تقليل عدد وجباتها اليومية.

كما ألقت موجة الجفاف بظلالها على الثروة الحيوانية، التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للغذاء والدخل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان، بعد نفوق أعداد من الماشية وتراجع قيمتها الاقتصادية، في وقت واصلت فيه أسعار اللحوم ارتفاعها.

واتهم رجال ما وصفهم بـ«تجار الأزمات» باستغلال ضعف الرقابة على الأسواق لرفع أسعار السلع الأساسية، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع يضع آلاف الأسر أمام خيارين قاسيين: الجوع أو العجز عن توفير احتياجاتها اليومية.

وحذر من أن استمرار الجفاف والحرب وارتفاع الأسعار قد يدفع دارفور وكردفان إلى أزمة غذائية أشد خطورة، مع تعرض الأطفال والنساء، على وجه الخصوص، لمخاطر سوء التغذية الحاد.

ودعا إلى استجابة إنسانية عاجلة تشمل توفير الغذاء والدواء، وتشديد الرقابة على الأسواق، ودعم المزارعين والرعاة ببرامج إنعاش عاجلة، للمساعدة في إنقاذ الموسم الزراعي والحد من تفاقم الأزمة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواجه فيه السودان تداعيات الحرب والنزوح وتراجع الإنتاج الزراعي، مما يزيد من هشاشة المجتمعات التي تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة والرعي لتأمين غذائها ودخلها.

ومن قولو إلى نيرتتي، ومن أسواق دارفور إلى كردفان، تتكرر الحكاية ذاتها؛ غذاء أقل، وأسعار أعلى، وأسر تكافح للبقاء وسط ظروف معيشية تزداد قسوة. وبينما تتسع دائرة الاحتياجات، لا تزال الاستجابة الإنسانية أقل بكثير من حجم الأزمة، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأوضاع خلال الأشهر المقبلة.

فالحرب لم تكتفِ بحصد الأرواح وتشريد الملايين، بل امتدت آثارها إلى موائد المدنيين، لتجعل الغذاء سلعة بعيدة المنال بالنسبة إلى أعداد متزايدة من الأسر. ومع استمرار الصراع، وتراجع الإنتاج، وبطء التدخلات الإنسانية، تتسع الفجوة بين الاحتياجات وحجم المساعدات، بما يهدد بتحول أزمة الغلاء والجوع إلى كارثة إنسانية أوسع، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإنقاذ الموسم الزراعي، وضبط الأسواق، وتأمين الغذاء للمجتمعات الأكثر هشاشة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.