الأبيض بين العطش والحرب.. حصاد سنوات الفشل

تقرير: عين الحقيقة

 

تعيش مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان واحدة من أقسى أزماتها الإنسانية، بعدما اجتمعت عليها تداعيات الحرب وتدهور الخدمات وشح المياه، لتصبح معاناة العطش اليومية انعكاسًا لحجم الانهيار الذي يعيشه السودان نتيجة تراكم الأزمات على مدى عقود.

وفي خضم هذه المعاناة، يتجدد الجدل حول إخفاق مشروع الإسلاميين في إدارة الدولة، وما خلفته سنوات حكمهم من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية أسهمت في وصول البلاد إلى واقعها الراهن، حيث يدفع المواطنون ثمن الصراعات والتدهور المستمر.

الأبيض.. من مدينة الخدمات إلى مدينة العطش

لطالما ارتبطت تطلعات سكان الأبيض بشعار «موية، طريق، مستشفى» بوصفه عنوانًا للتنمية والخدمات الأساسية، غير أن المدينة تواجه اليوم واقعًا مغايرًا، بعدما تحولت المياه إلى واحدة من أكبر الأزمات التي تثقل كاهل المواطنين.

وأصبحت صفوف انتظار المياه مشهدًا يوميًا في أحياء المدينة، فيما تحول الحصول على مياه الشرب إلى معاناة مستمرة للأسر، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات المياه ونقلها.

وبلغ سعر جوز المياه المالحة نحو أربعة آلاف جنيه، فيما تُباع باقة المياه المفلترة بالسعر نفسه تقريبًا، بينما يتراوح سعر البرميل داخل المدينة بين 12 ألفًا و20 ألف جنيه، بحسب المنطقة والحي.

أزمة ممتدة وتحديات متراكمة

يرى مراقبون أن ما تشهده الأبيض اليوم لا يمكن عزله عن تراكمات طويلة من ضعف الإدارة وتراجع مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قطاعات الخدمات والبنية التحتية في مختلف أنحاء البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن سنوات الحكم السابقة شهدت تراجعًا ملحوظًا في كفاءة المؤسسات العامة، بينما ظلت قضايا التنمية والخدمات الأساسية تواجه تحديات متزايدة، الأمر الذي أسهم في تعميق الأزمات التي يعاني منها المواطنون اليوم.

كما يُنظر إلى أزمة المياه الحالية باعتبارها إحدى نتائج تدهور البنية التحتية وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب تأثيرات الصراعات السياسية والعسكرية المتواصلة.

الحرب تضاعف المعاناة

أسهمت الحرب الدائرة في السودان في تفاقم الأوضاع الإنسانية بمدينة الأبيض، حيث بات السكان يواجهون، إلى جانب أزمة المياه، تحديات أمنية متزايدة نتيجة القصف بالطائرات المسيّرة واستمرار حالة عدم الاستقرار.

وفي ظل تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة، يعيش سكان المدينة أوضاعًا صعبة تجمع بين العطش والضغوط الاقتصادية والمخاوف الأمنية.

وتُمثل الأبيض اليوم نموذجًا لمعاناة المواطن السوداني في ظل تداخل الأزمات الخدمية والاقتصادية والأمنية. وبينما يواصل السكان البحث عن حقهم في الحصول على مياه الشرب والخدمات الأساسية، تبقى الحاجة ملحة لمعالجة جذور الأزمة وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يضمن حياة كريمة وآمنة للمواطنين.

وتكشف مأساة العطش في الأبيض بوضوح حجم الإخفاق الاقتصادي والخدمي الذي تعيشه المناطق الخاضعة لسلطة حكومة بورتسودان، حيث بات المواطن يواجه أزمات متلاحقة في أبسط مقومات الحياة، من المياه والكهرباء إلى الأمن والمعيشة. وبينما تتسع دائرة المعاناة يومًا بعد آخر، تبدو السلطات عاجزة عن تقديم حلول حقيقية أو إيقاف التدهور المتسارع، الأمر الذي يعمّق الشعور بفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

وفي مدينة كانت يومًا مركزًا اقتصاديًا وخدميًا مهمًا، أصبح العطش عنوانًا يوميًا للفشل الإداري وغياب الرؤية، فيما يواصل المواطن دفع كلفة الحرب والأزمات والسياسات التي أوصلت السودان إلى هذا المنعطف الحرج.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.