سلسلة: السيادة الوطنية والحق في الحقيقة قراءات قانونية حول حادثة مناجم شمال السودان..حماية السيادة الوطنية… من صمت الحكومات إلى استرداد الحقوق
أ/ آدم راشد- المحامي
ليست الدول العظيمة هي التي لا تتعرض للاعتداءات أو الأزمات، فالتاريخ يعلمنا أن جميع الدول، مهما بلغت قوتها، مرت بلحظات اختبرت فيها سيادتها ووحدة أراضيها وقدرتها على حماية مواطنيها. غير أن الفارق بين دولة وأخرى لا يكمن في وقوع الاعتداء، وإنما في كيفية إدارة الأزمة بعد وقوعه. ففي تلك اللحظات الحرجة تُختبر مؤسسات الدولة، ويُقاس احترامها للقانون، وتنكشف حقيقة التزامها تجاه مواطنيها. ومن هنا، فإن السؤال الذي تفرضه حادثة الهجوم على مواقع التعدين الأهلي في أقصى شمال السودان لم يعد يقتصر على: من نفذ الهجوم؟ وإنما يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا فعلت الدولة منذ اللحظة الأولى؟ وهل أدت واجبها القانوني في حماية سيادتها وصون حقوق مواطنيها وكشف الحقيقة لهم؟
لقد شكلت الأحداث التي شهدتها مناطق التعدين الأهلي شمال السودان خلال شهر يونيو 2026، وما رافقها من سقوط ضحايا بين قتيل وجريح ومفقود وفقاً للروايات المتداولة، اختباراً بالغ الحساسية للدولة السودانية. فبعيداً عن تحديد المسؤوليات الجنائية، وهو أمر يظل رهيناً بتحقيق مستقل ومحايد، فإن مجرد وقوع اعتداء داخل الإقليم الوطني يضع على عاتق السلطات المختصة سلسلة من الالتزامات القانونية والدستورية التي لا يجوز إرجاؤها أو تجاوزها، لأن حماية السيادة لا تبدأ بعد انتهاء التحقيق، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى لوقوع الحادث.
ففي جميع النظم القانونية الرشيدة، يكون أول واجب على الدولة هو الانتقال الفوري إلى موقع الحادث لتأمين المنطقة، وإنقاذ المصابين، وإجلاء المدنيين، ومنع العبث بمسرح الواقعة، والمحافظة على الأدلة المادية والرقمية. فكل دقيقة تمر دون اتخاذ هذه الإجراءات قد تعني ضياع دليل، أو فقدان شاهد، أو إضعاف فرصة الوصول إلى الحقيقة. ولا يقل عن ذلك أهمية إنشاء غرفة وطنية لإدارة الأزمة تضم الجهات العسكرية والأمنية والشرطية والنيابة العامة والطب الشرعي والسلطات المحلية، بما يضمن تنسيق الجهود وتوحيد المعلومات واتخاذ القرارات بصورة مؤسسية .
وفي موازاة ذلك، تلتزم الدولة بواجب آخر لا يقل أهمية، وهو واجب الاتصال بالمجتمع. فإدارة الأزمات في الدول الحديثة لا تقوم على الصمت أو ترك المجال للروايات المتضاربة، وإنما على الشفافية المدروسة. وكان من المنتظر أن يصدر بيان رسمي أولي يقر بوقوع الحادث، ويعبر عن التضامن مع الضحايا، ويعلن فتح تحقيق مستقل، مع الالتزام بإطلاع الرأي العام على مستجدات القضية كلما توافرت معلومات موثوقة. فالصمت في القضايا التي تمس السيادة الوطنية لا يخلق الاستقرار، بل يفتح الباب للشائعات، ويقوض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويضعف الموقف القانوني والدبلوماسي للدولة نفسها.
وكان الواجب يقتضي كذلك أن تباشر النيابة العامة تحقيقاً شاملاً، مدعوماً بخبراء في الأدلة الجنائية، والطب الشرعي، وتحليل الأسلحة، والأدلة الرقمية، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في توثيق مسرح الحادث. فالتطور العلمي جعل الوصول إلى الحقيقة أكثر دقة من أي وقت مضى؛ إذ يمكن الاستعانة بصور الأقمار الصناعية، وتحليل الميتاداتا، وفحص تسجيلات الهواتف، ودراسة بقايا المقذوفات وأرقامها التسلسلية، وإعادة بناء مسار الأحداث وفق معايير علمية راسخة، بما يقطع الطريق أمام الجدل ويؤسس لأي مساءلة قانونية لاحقة .
وعلى الصعيد الدبلوماسي، فإن أي حادث يمس سلامة الإقليم أو يثير شبهة انتهاك للسيادة الوطنية يقتضي تحركاً رسمياً مدروساً. ويشمل ذلك مخاطبة الدولة المعنية عبر القنوات الدبلوماسية، وجمع المعلومات اللازمة، وإحاطة المنظمات الإقليمية والدولية المختصة بما يتوافر من وقائع، وطلب المساعدة الفنية عند الحاجة، مع التأكيد أن اللجوء إلى الوسائل السلمية والقانونية في معالجة النزاعات هو الخيار الذي ينسجم مع أحكام القانون الدولي ويحافظ على مصالح الدولة وحقوق مواطنيها .
وإلى جانب حماية السيادة، فإن للدولة واجباً أصيلاً تجاه الضحايا وأسرهم. فلا يجوز أن يقتصر الاهتمام على الجوانب الأمنية والسياسية، بينما يظل الضحايا وأسرهم يواجهون آثار المأساة وحدهم. وكان من المتعين إنشاء سجل رسمي لحصر القتلى والجرحى والمفقودين، وتقديم الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي، وتوفير المساعدة القانونية للأسر، وضمان حقهم في معرفة مصير ذويهم، تمهيداً لجبر الضرر وإنصافهم وفقاً للقانون .
وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لا تزال أسئلة جوهرية تبحث عن إجابات واضحة. أين نتائج التحقيق الرسمي؟ وأين التقرير الفني الذي يبين ما جرى؟ وأين الرواية المؤسسية التي توحد المعلومات وتزيل التضارب؟ وأين الإجراءات التي اتخذت لحفظ الأدلة وصون حقوق الضحايا؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف توجيه الاتهام، وإنما يعبر عن حق مشروع للمواطن في معرفة الحقيقة، وعن واجب الدولة في تقديمها. فالحق في الحقيقة أصبح من المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما في القضايا التي تنطوي على انتهاكات جسيمة أو تمس الحق في الحياة.
وإذا كانت الدولة هي صاحبة المسؤولية الأولى، فإن المجتمع المدني يمثل خط الدفاع الوطني الثاني. وقد أظهرت هذه الحادثة أن عدداً من المبادرات والناشطين والحقوقيين والإعلاميين السودانيين بذلوا جهوداً مقدرة في جمع الشهادات الأولية، وحصر بعض الضحايا، وتوثيق المعلومات المتاحة، وهي جهود تستحق التقدير والإشادة. غير أن هذه المبادرات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تحل محل الدولة، لأنها تفتقر إلى السلطات القانونية والإمكانات المؤسسية التي تمكنها من إدارة تحقيق شامل أو مساءلة المسؤولين .
ومع ذلك، فإن الدور المنتظر من المجتمع المدني يظل واسعاً ومؤثراً. فهو يبدأ بتوثيق الشهادات وفق المعايير المهنية، والمحافظة على الأدلة الرقمية، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وإعداد التقارير الموضوعية، والتواصل مع الآليات الإقليمية والدولية، والإسهام في ترسيخ ثقافة المساءلة وسيادة القانون. ويمكن في هذا السياق الاستفادة من الخبرات التي تقدمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حماية المدنيين أثناء النزاعات، ومن الدعم الفني الذي توفره مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومن آليات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في تلقي الشكاوى ومتابعة الانتهاكات، فضلاً عن المعايير التي أرساها بروتوكول بيركلي بشأن توثيق الأدلة الرقمية والتحقيقات مفتوحة المصدر . إن الوصول إلى الحقيقة في مثل هذه القضايا لم يعد يعتمد على الاعترافات أو الروايات المتناقضة وحدها، بل أصبح عملية علمية متكاملة تقوم على تحليل الأدلة المادية والرقمية، ومضاهاة الشهادات، والاستعانة بالخبرات الفنية المستقلة. ولذلك، فإن الحقيقة لا ينبغي أن تكون رهينة للاستقطاب السياسي أو الإعلامي، بل ثمرة لتحقيق مهني يلتزم بالحياد والاستقلال والشفافية. فالحقيقة ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، وإنما هي حق للضحايا، وركن أساسي من أركان العدالة، وضمانة لعدم تكرار الانتهاكات. لقد كشفت هذه الحادثة، بصرف النظر عما ستنتهي إليه التحقيقات، أن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة، وإدارة الأزمات بكفاءة، وكشف الحقيقة للرأي العام، والدفاع عن حقوق المواطنين أمام جميع المحافل القانونية والدبلوماسية. كما أكدت أن الدولة التي تتأخر في أداء هذه الواجبات تفسح المجال لانتشار الشائعات، وتضعف ثقة مواطنيها، وتفقد جزءاً من قدرتها على حماية موقفها القانوني .
ومن هنا، فإن المعالجة الرشيدة تقتضي جملة من الخطوات العاجلة، في مقدمتها استكمال تحقيق وطني مستقل يتمتع بالمهنية والشفافية، مع الاستعانة بالخبرات الفنية الدولية متى اقتضت الحاجة، وإعلان نتائجه للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في الإنصاف وجبر الضرر، وتعزيز التعاون مع الآليات الإقليمية والدولية المختصة، وترسيخ منظومة وطنية متكاملة لإدارة الأزمات وحماية الحدود وتوثيق الانتهاكات وفق أفضل الممارسات القانونية.
إن الدول لا تُقاس بمساحة أراضيها وحدها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان الذي يعيش فوق تلك الأرض. وقد تُنتهك الحدود في لحظة، لكن السيادة الحقيقية لا تضيع إلا إذا غابت الإرادة في حماية المواطنين، أو تأخر كشف الحقيقة، أو تراجعت الدولة عن واجبها في الدفاع عن حقوق شعبها. فالحقيقة ليست عبئاً على الدولة، بل هي مصدر قوتها، والعدالة ليست ترفاً سياسياً، بل هي الأساس الذي تستعيد به الدولة ثقة مواطنيها وهيبتها بين الأمم. وستبقى حادثة مناجم شمال السودان، بما حملته من آلام وأسئلة، تذكيراً دائماً بأن السيادة ليست امتيازاً تتمتع به السلطة، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية، تبدأ بحماية المواطن، وتكتمل بكشف الحقيقة، ولا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تقود إلى عدالة تنصف الضحايا وتصون كرامة الوطن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.