المعلم السوداني يدفع الثمن.. فهل تنقذه ثورة إنسانية من تقاعس حكومة بورتسودان؟

بقلم: مناهل أبوقصيص

لم يعد الحديث عن أوضاع المعلم السوداني مجرد نقاش حول تحسين الأجور أو المطالبة بحوافز إضافية، بل أصبح قضية إنسانية وأخلاقية تمس حاضر البلاد ومستقبلها. فالمعلم، الذي كان يوماً رمزاً للمكانة والهيبة، بات اليوم يواجه ظروفاً معيشية قاسية تجبره على الانشغال بتأمين لقمة العيش أكثر من التفرغ لأداء رسالته التربوية.

 

لقد أفرزت الحرب والانهيار الاقتصادي واقعاً بالغ القسوة انعكس بصورة مباشرة على قطاع التعليم. فآلاف المعلمين وجدوا أنفسهم بين نازح ولاجئ وعاطل عن العمل، بينما يواجه من لا يزالون على رأس عملهم ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات، في ظل رواتب فقدت معظم قيمتها الشرائية، وأصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

 

ورغم هذا المشهد المؤلم، لا تبدو حكومة بورتسودان وكأنها تدرك حجم الأزمة أو تتعامل معها بوصفها أولوية وطنية. فما تزال القرارات المتعلقة بالمعلمين تتسم بالبطء والارتباك، بينما تتراكم الوعود من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. والنتيجة أن آلاف الأسر التي يعيلها المعلمون تعيش على حافة الفقر، في وقت يُفترض فيه أن يكون المعلم أحد أهم ركائز استقرار المجتمع.

 

إن الأزمة ليست أزمة رواتب فحسب، بل هي أزمة تقدير حقيقي لدور المعلم في بناء الدولة. فلا يمكن الحديث عن إعادة إعمار السودان أو تحقيق السلام أو بناء المؤسسات، بينما يعيش المعلم في ظروف تدفعه إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجات أسرته. فالتعليم لا ينهض بالشعارات، وإنما بمعلم يشعر بالأمان الاقتصادي والنفسي، ويحظى بالاحترام الذي يستحقه.

 

وفي جميع التجارب الناجحة حول العالم، كان الاستثمار في المعلم هو نقطة الانطلاق نحو الإصلاح الحقيقي. فالدول التي أدركت قيمة التعليم لم تتعامل مع المعلم باعتباره موظفاً عادياً، بل شريكاً في صناعة المستقبل. أما في السودان، فإن استمرار تدهور أوضاع المعلمين يهدد بإنتاج أجيال محرومة من التعليم الجيد، وهو ما ستكون له آثار عميقة تمتد لسنوات طويلة.

 

ما يحدث اليوم يفرض سؤالاً مؤلماً: إلى متى سيظل المعلم السوداني يدفع وحده ثمن الأزمات السياسية والاقتصادية؟ ولماذا يُطلب منه الصبر والتضحية باستمرار، بينما تغيب الحلول العملية التي تحفظ له كرامته؟ فالصبر فضيلة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى سياسة حكومية لمعالجة الأزمات.

 

إن إنقاذ المعلم لا يتطلب زيادة الرواتب فقط، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تشمل تحسين بيئة العمل، وضمان الاستقرار الوظيفي، وتوفير التأمين الصحي، وإعادة الاعتبار للمهنة اجتماعياً، إلى جانب إشراك ممثلي المعلمين في رسم السياسات المتعلقة بمستقبل التعليم.

 

ولعل أخطر ما في الأمر أن استمرار هذا التدهور سيدفع المزيد من الكفاءات إلى مغادرة المهنة أو الهجرة خارج البلاد، وهو نزيف يصعب تعويضه في ظل الظروف الراهنة. فالمعلم لا يُصنع في يوم أو عام، وإنما هو حصيلة سنوات من التأهيل والخبرة، وخسارته تعني خسارة وطن بأكمله.

 

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى ثورة سياسية أو اقتصادية فحسب، بل إلى ثورة إنسانية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان في قلب عملية الإصلاح. وثورة كهذه تبدأ من احترام المعلم، لأنه هو من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والصحفي والوزير، وهو من يغرس قيم المواطنة والانتماء والتسامح في نفوس الأجيال.

 

لقد أصبح إنقاذ المعلم السوداني ضرورة وطنية، لا مطلباً فئوياً يخص العاملين في قطاع التعليم وحدهم. فكل يوم تتأخر فيه الحلول الحقيقية، تتسع الفجوة بين طموحات السودان في النهوض، وما يقدمه لمعلميه من اهتمام ورعاية.

 

لذلك، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة والقوى السياسية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، فالجميع شركاء في حماية التعليم وصون كرامة من يحمل رسالته. فالدول لا تُبنى بالحروب وحدها، وإنما تُبنى بالعقول، والعقول لا يصنعها إلا معلم يعيش بكرامة ويؤدي رسالته في بيئة تحفظ مكانته.

 

وفي النهاية، لن يتذكر التاريخ كثرة البيانات والتصريحات، بل سيتذكر من وقف إلى جانب المعلم في أصعب المراحل، ومن أدرك أن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن، وأن إنقاذ المعلم هو في الحقيقة إنقاذ لمستقبل السودان بأكمله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.