سُودَانُ مَا بَعْدَ الطُّوفَانِ: صِرَاعُ الرَّمَادِ وَتَجَلِّيَاتُ السَّيْطَرَةِ

هشام محمد شريف

إِنَّ الْأَرْضَ، فِي عُرْفِ التَّارِيخِ وَسُنَنِ السِّيَاسَةِ، لَا تُطِيقُ الْفَرَاغَ؛ فَهِيَ حَقِيقَةٌ أَزَلِيَّةٌ تَنْبَثِقُ عِنْدَ كُلِّ مَنْعَطَفٍ حَاسِمٍ مِنْ مَسِيرَةِ الْأُمَمِ.
حِينَ تَتَدَاعَى أَرْكَانُ الدَّوْلَةِ وَتَتَصَدَّعُ مَحَارِيبُ مُؤَسَّسَاتِهَا، لَا يَبْقَى الْمَشْهَدُ سَرَابًا خَاوِيًا، بَلْ تَتَدَافَعُ قُوًى مُسْتَحْدَثَةٌ، تَتَدَثَّرُ بِالْمَالَ وَتَتَسَلَّحُ بِالرَّصَاصِ، لِتَمْلَأَ ذَلِكَ الْخَوَاءَ، نَاحِتَةً خَرِيطَةً جَدِيدَةً لِلْوَاقِعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ عَلَى مَقَاسِ مَصَالِحِهَا الضَّيِّقَةِ.
وَالسُّودَانُ الْيَوْمَ، بَعْدَ أَنْ أَثْخَنَتْهُ حَرْبٌ كَلُومٌ نَاهَزَتْ عَامَهَا الثَّالِثَ، يَقِفُ مَذْهُولًا عَلَى حَافَّةِ هَذَا التَّحَوُّلِ الْقَدَرِيِّ، حَيْثُ نَتَسَاءَلُ فِي حَيْرَةٍ وَجِلَةٍ:
أَيَفْلَحُ الْوَافِدُونَ الْجُدُدُ فِي بَسْطِ سُلْطَانِهِمْ عَلَى أَرْضٍ أَحْرَقَهَا النِّزَاعُ؟
إِنَّ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ لَا تَمْنَحُنَا إِجَابَاتٍ مَوْجَزَةً، بَلْ تُرَاكِمُ أَمَامَنَا عِبَرًا مَضْمُومَةً بِالْمَرَارَةِ.لِكَيْ نُدْرِكَ مَآلَاتِ مَا بَعْدَ الطُّوفَانِ، لَا بُدَّ لَنَا مِنْ مُعَايَنَةِ نَزِيفِ الرُّوحِ وَشَتَاتِ الْجَسَدِ الَّذِي مَزَّقَ أَوْصَالَ نَسِيجَنَا؛ فَهَذِهِ الْحَرْبُ الَّتِي اشْتَعَلَ وَطِيسُهَا فِي أَبْرِيلَ 2023، لَمْ تَقْنَعْ بِحَصْدِ أَرْوَاحِ الْآلَافِ، بَلْ قَذَفَتْ بِمَلَايِينَ الْأَنْفُسِ فِي أَتُونِ النُّزُوحِ، لِيُصْبِحَ هَذَا الِارْتِحَالُ الْقَسْرِيُّ مِعْوَلًا يَهْدِمُ الْبِنَاءَ الدِّيمُوغْرَافِيَّ وَيُهَدِّدُ كَيَانَ الْهُوِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ.
وَفِي ظِلِّ هَذَا التَّشَظِّي، نَلْمَحُ اِضْمِحْلَالَ الدَّوْلَةِ وَتَآكُلَ هَيْبَتِهَا؛ إِذْ بَاتَ الْأُفُقُ الْعَسْكَرِيُّ نَفَقًا مَسْدُودًا، وَأَصْبَحَ الْحَسْمُ طَيْفًا يَتَبَدَّدُ مَعَ كُلِّ مَغِيبٍ، فَالْبِلَادُ مُقَسَّمَةٌ فِعْلِيًّا بَيْنَ أَنِيَابِ الْقُوَّةِ، وَالْمُؤَسَّسَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَتَرَنَّحُ أَصْلًا، غَدَتْ جُثَّةً هَامِدَةً، تَرَكَتِ الشَّعْبَ يَتَقَاذَفُهُ مَوْجُ الْفَوْضَى.
وَيَزْدَادُ الْمَشْهَدُ سَوَادًا مَعَ تَبَعْثُرِ الْأَمْنِ وَتَنَامِي أُمَرَاءِ الْحَرْبِ؛ فَالنِّزَاعُ لَمْ يَعُدْ مُنَاوَشَةً بَيْنَ جَيْشَيْنِ، بَلِ اسْتَحَالَ إِلَى غَابَةٍ مُظْلِمَةٍ تَضُمُّ مِئاتِ الْمِيلِيشِيَاتِوَالْمُرْتَزِقَةِ، مِمَّا حَوَّلَ السَّكِينَةَ إِلَى عُمْلَةٍ نَادِرَةٍ وَجَعَلَ بَعْثَ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ.
وَلَا يَقِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ التُّرَابِ الْوَطَنِيِّ، بَلْ تَمْتَدُّ أَيَادِي الْعَبَثِ الْخَارِجِيِّ لِتَرْسُمَ مَصِيرَنَا بِدِمَائِنَا، حَيْثُ تُغَذِّي التَّدَخُّلَاتُ الْإِقْلِيمِيَّةُ أُوَارَ الصِّرَاعِ، مُحَوِّلَةً بِلَادَنَا إِلَى مَيْدَانٍ لِتَصْفِيَةِ حِسَابَاتٍ لَا نَاقَةَ لَنَا فِيهَا وَلَا جَمَلَ.
إِنَّ الْجُغْرَافِيَا هُنَا صَارَتْ قَيْدًا ثَقِيلًا، فَالسُّودَانُ بِمَوْقِعِهِ الْفَرِيدِ بَاتَ قَلْبًا مُسْتَبَاحًا فِي مَلْحَمَةِ التَّنَافُسِ الْإِقْلِيمِيِّ.
إِنَّ التَّارِيخَ، بِمَرَايَاهُ الصَّادِقَةِ، يَعْرِضُ لَنَا نَمَاذِجَ لِفَرَاغِ السُّلْطَةِ تَشِي بِمَا قَدْ نَؤُولُ إِلَيْهِ؛ فَلُبْنَانُ فِي مِحْنَتِهِ الْأَهْلِيَّةِ شَاهِدٌ كَيْفَ أَنَّ الْمِيلِيشِيَاتِ الَّتِي اسْتَقْوَتْ فِي زَمَنِ الرَّصَاصِ، ظَلَّتْ خِنْجَرًا فِي خَاصِرَةِ الدَّوْلَةِ حَتَّى بَعْدَ السَّلَامِ، لِيَتَحَوَّلَ النِّزَاعُ إِلَى هَيْكَلِ حُكْمٍ مَشْلُولٍ. وَلِيبْيَا لَيْسَتْ عَنَّا بِمَعْزِلٍ، حَيْثُ صَارَتِ الْمِيلِيشِيَاتُ بَدِيلًا مُشَوَّهًا لِلدَّوْلَةِ، مُوَلِّدَةً ازدواجيةً فِي السُّلْطَةِ لَا تَعْرِفُ الِانْتِهَاءَ. أَمَّا أَفْغَانِسْتَانُ، فَتُنَبِّئُنَا أَنَّ الْخَوَاءَ لَا يَمْلَؤُهُ الْأَكْثَرُ نُبْلًا، بَلِ الْأَكْثَرُ بَطْشًا وَتَنْظِيمًا، كَمَا تَجَلَّى فِي سَطْوَةِ طَالِبَانَ. وَيَبْقَى الصُّومَالُ النَّمُوذَجَ الصَّارِخَ لِلدَّوْلَةِ الَّتِي ضَلَّتْ طَرِيقَهَا فِي دَهَالِيزِ الْفَوْضَى لِعُقُودٍ، عَاجِزَةً عَنِ اسْتِرْدَادِ كِيَانِهَا.فِي غَمْرَةِ هَذِهِ الِانْكِسَارَاتِ، نَتَسَاءَلُ:
هَلْ يَبْتَلِعُ الْفَرَاغُ مَا تَبَقَّى مِنَ السُّودَانِ؟ إِنَّ الرُّؤْيَةَ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ “سُكَّانًا جُدُدًا” مِمَّنْ حَازُوا الْمَالَ وَالسِّلَاحَ سَيَبْسُطُونَ هَيْمَنَتَهُمْ، هِيَ رُؤْيَةٌ تَسْتَنِدُ إِلَى مَنْطِقٍ تَارِيخِيٍّ صَلْدٍ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ بِلَادَنَا أَلِفَتِ اسْتِخْدَامَ الْمِيلِيشِيَاتِ لِأَغْرَاضٍ سُلْطَوِيَّةٍ. لَكِنَّ التَّعْقِيدَاتِ تَتَجَاوَزُ هَذَا التَّكَهُّنَ؛ فَتَعَدُّدُ الْفَاعِلِينَ وَتَشَابُكُ مَصَالِحِهِمْ يَجْعَلُ الْفَوْضَى هِيَ الْقَدَرَ الْمُحْتَمَّ، وَيَجْعَلُ السَّيْطَرَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ قَاصِرَةً عَنْ إِنْتَاجِ شَرْعِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ. إِنَّ مَا نُعَانِيهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَبَدُّلٍ فِي وُجُوهِ الْحُكَّامِ، بَلْ هُوَ زِلْزَالٌ فِي مَفْهُومِ الدَّوْلَةِ، حَيْثُ يَتَشَظَّى احْتِكَارُ الْعُنْفِ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ قَانُونُ الْغَابِ وَالْمَالِ.
يَبْقَى السُّؤَالُ مُدَوِّيًا فِي أَصْدَاءِ الزَّمَنِ:
هَلْ لِأَيِّ طَرَفٍ أَنْ يَسُودَ بِاسْتِدَامَةٍ فِي ظِلِّ هَذَا التَّمَزُّقِ؟
إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُ الْفَرَاغَ، لَكِنَّهَا أَيْضًا لَا تَقْبَلُ سَيْطَرَةَ مَنْ لَا يَفْقَهُ بِنَاءَ دَوْلَةٍ تَسَعُ الْجَمِيعَ.
إِنَّ التَّحَدِّيَ الْجَوْهَرِيَّ لِسُودَانِ مَا بَعْدَ الْحَرْبِ لَيْسَ فِي مَنْ يَقْبِضُ عَلَى الزِّنَادِ، بَلْ فِي مَنْ يَمْلِكُ الْبَصِيرَةَ لِإِعَادَةِ بَعْثِ الدَّوْلَةِ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ، عَلَى رَكِيزَتَيِ الْعَدْلِ وَالْمُوَاطَنَةِ اللَّتَيْنِ ضَاعَتَا فِي غَيَاهِبِ الصِّرَاعِ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.