بعد امتناع الولايات المتحدة عن منح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تاشيرة دخول الى اراضيها، وحرمانه بذلك من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، التي كان يراهن عليها كمنصة لاثبات شرعية فشل في انتزاعها طوال اربعة اعوام، ظهرت حالة من الارتباك السياسي لدى البرهان وداعميه لا يمكن وصفها الا بانها صدمة بدليل حالة الهستريا التي سيطرت على تحركاتهم السياسية.
ويبدو ان الصدمة لم تكن مرتبطة بالتاشيرة وحدها، بل بما حمله الحرمان منها من دلالة سياسية، ولذلك جاءت محاولة التعويض سريعاً عبر العودة الى واحدة من اشهر ادوات صناعة المشهد السياسي المزيف لدى الاسلاميين، وهي حشد الناس وتنظيم المواكب وانتاج صورة جماهيرية تستخدم لتقديم إنطباع وهمي بوجود قبول شعبي يغني عن العزلة ويعالج اثر قرارات امريكا التي تؤكد ردة فعلهم مستوى الألم الذي شعروا به.
في هذا النوع من السلوك السياسي المنحرف تصبح كثافة الحشد هي رسالة السلطة، ويصبح ارتفاع الهتاف هو الدليل، بينما يغيب السؤال الاهم: لماذا جاء هؤلاء؟ وهل حضورهم تعبير عن موقف سياسي حقيقي، ام مجرد مشاركة في مناسبة يبحث منظموها عن صورة لحظية تخفي الحقيقة وتعوض الفشل؟
المشكلة ان الحشود التي تستخدم لصناعة صورة عن القبول الشعبي قد تكشف في الوقت نفسه حدود قدرة السلطة على التحكم في المشهد. فليس كل تجمع جماهيري حشدا سياسيا، وليس كل جمهور يمكن تحويله تلقائيا الى جمهور مؤيد. وقد ظهرت هذه الحقيقة بوضوح عندما اقتحم البرهان مناسبة شبابية فنية يحييها مغني راب، محاولا استغلالها لتقديم صورة اكبر عن القبول الشعبي.
كانت المناسبة فعالية ذات طابع اجتماعي وانساني، وجاءها الشباب هربا من اجواء الحرب وضغوطها، ورغبة في عيش لحظات من السلام والفرح. لذلك اصيبوا بالصدمة حين ظهر البرهان وصعد الى المنصة، ثم بدأ يتحدث عن الحرب كالعادة، ولم ينس موضوع التأشيرة، التي أكد انه لم يفق بعد من صدمتها، واصر على تحويل المناسبة الى منصة سياسية، ليعيد الى الحضور الموضوعات التي جاءوا الى المكان هربا منها.
ورغم محاولة المغني التعامل مع المفاجأة بهدوء حتى لا يشوش على اللحظة، بدا التوتر واضحا بين الحضور ، وكاد ان ينهي الفعالية حيث بدأت تظهر ردود أفعال رافضة، لولا ان غادر البرهان سريعا بعد ان حصل على الصور التي كان يبحث عنها. لكنها لن تفيدة مثل مئات الصور الاخرى المشابهة و التي فقدت قيمتها قبل اخذها .
اهمية هذا المشهد لا تكمن فقط في الطريقة التي انتهت بها المغامرة غير المحسوبة العواقب للبحث عن القبول الشعبي، وانما في الدرس السياسي الذي كشفته. فالناس قد تجتمع من اجل الفن او الرياضة او العمل الخيري او الصلاة او لاي سبب، لكن وجودها في مكان واحد لا يعني انها منحت السلطة تفويضا سياسيا، ولا يعني ان المناسبة يمكن تحويلها تلقائيا الى منصة للتاييد.
وهنا يجب ان يعلم البرهان ومن يدعمونه ان هناك فرقا كبيرا بين ان يخرج الناس لانهم يؤيدون السلطة، و ان يتم اخراجهم دون قناعة او خداعهم من قبل جهة سياسية فشلت في مواجهة الحقيقة، كما ان هناك فرقا بين صورة جماهيرية تسرقها الكاميرات في لحظة مخطط لها، وموقف شعبي تلقائي يستمر حتى بعد انتهاء المناسبة وغياب الكاميرات.
وهذا الفرق ليس جديدا في التجربة السودانية. فقد جرب نظام البشير هذه الوسيلة طوال ثلاثة عقود، وكانت الساحات تمتلئ، والهتافات ترتفع، والصور تنتشر باعتبارها دليلا على شعبية النظام. لكن عندما جاءت لحظة الاختبار الحقيقي عبر ثورة ديسمبر ،لم تستطع تلك الحشود حماية النظام من السقوط. لان المشكلة لم تكن في عدد الذين ظهروا في تلك الصور، وانما في ان الصورة نفسها لم تكن مقياسا حقيقيا لمعرفة حجم القبول الشعبي الحقيقي. فقد استطاع النظام تنظيم الحشود وانتاج مشاهد جماهيرية ضخمة، لكنه لم يستطع تحويلها الى قبول سياسي يصمد عندما تتغير الظروف وينتهي تأثير التنظيم الرسمي.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ان يتوقف عندها البرهان ومن يدعمونه. فاعادة انتاج الطريقة القديمة لن تغير طبيعة المشكلة. يمكن للسلطة ان تنتج الصور الجماهيرية، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال السياسي الاساسي الذي يهربون منه: ماذا يريد الشعب السوداني فعلا؟
هذا السؤال لا تجيب عنه الصور، ولا عدد الاشخاص الذين ظهروا في الحشد، ولا ارتفاع اصوات الهتافات. الاجابة تظهر عندما تنتهي المناسبة، وتغيب الكاميرات، ويعود الناس الى حياتهم اليومية. عندها فقط يمكن معرفة ما اذا كان الحضور تعبيرا عن قناعة سياسية، ام مجرد مشاركة في حدث عابر.
ولهذا فان تحويل كل تجمع جماهيري الى استفتاء على شعبية البرهان هو مجرد تضليل متعمد لا ينتج شرعية سياسية ولا يمنح تاشيرة عبور. فعندما تصبح صناعة الصورة هدفا في حد ذاتها، تتحول الوسيلة الى غاية، ويصبح انتاج المشهد اهم من مواجهة السؤال الحقيقي المتعلق بموقف السودانيين. كما ان الشرعية الفعلية لا تحتاج الى هذا القدر من الاستعراض اذا كانت راسخة بالفعل في وجدان الناس. والسلطة التي تستند الى قبول شعبي حقيقي لا تحتاج الى تحويل كل مناسبة الى اختبار جديد للشعبية، ولا الى البحث عن جمهور في كل مكان وفي اي مناسبة.
ومن هنا، فان ازمة البرهان ومن يدعمونه ليست في غياب الصورة، وانما في الاعتقاد بان الصورة يمكن ان تحل محل الحقيقة. والاخطر هو ان القلق من العزلة السياسية وهستريا البحث عن شرعية بأي شكل وأية طريقة تحولا الى أزمة مزمنة تمنع البرهان من التفكير في اي حل ينقذه غير اثبات كل ما هو عكس الواقع والحقيقة.
ولكن نقول لهم جميعا عليكم أن تفهموا أن الموقف الشعبي الحقيقي الذي يمكن ان يغير المعادلة السياسية في السودان ،لا يظهر بالإجابة عن سؤال: كم كان حجم الحشد؟ بل يظهر بالإجابة عن السؤال الذي لم تجب عنه حشود البشير، ولن تجيب عنه حشود البرهان: وهو ماذا يريد الشعب السوداني ؟.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.