حقق وفد القوى المدنية السودانية برئاسة رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك اختراقاً سياسياً كبيراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، في تحرك وصفته دوائر دبلوماسية بأنه سحب للبساط من تحت نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة.
واستهل الوفد لقاءاته الرسمية باجتماع رفيع المستوى في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، جمع ثلاثة من أبرز صناع القرار الأمريكي في الملف السوداني: مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا فرانك غارسيا، وكبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، والمندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
لا شرعية لطرفي الحرب ولا لحكومة الإسلاميين
وضع الوفد المدني أمام المسؤولين الأمريكيين صورة شاملة لتعقيدات الأزمة، مؤكدا أن الحرب لم تعد تهدد وجود الدولة فحسب بل الأمن والسلم الإقليميين.
وجاء الرد الأمريكي حاسما في نقطة جوهرية تخص الإسلاميين. فقد أكد غارسيا وبولس موقف الخارجية الأمريكية المعلن في 22 سبتمبر بأن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقياداتهما لا تمثلان حكما دستوريا شرعيا للسودان.
وقال بولس صراحة إن التواصل الأمريكي مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لا يعني اعترافا أمريكيا بالحكومة القائمة في بورتسودان، التي يهيمن عليها عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية، مشددا على أن واشنطن تريد إعادة السلطة إلى الشعب عبر عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية.
واعتبر مراقبون أن هذا الموقف يمثل ضربة مباشرة لمساعي الإسلاميين للعودة إلى الواجهة عبر واجهة الجيش، ويعيد الاعتبار للقوى المدنية كفاعل رئيسي في أي تسوية مقبلة.
هدنة التسعين يوما واختبار حسم الحرب
وكشفت مصادر دبلوماسية أن المبادرة الأمريكية التي عادت بقوة هذا الشهر تقوم على هدنة إنسانية شاملة لمدة 90 يوما، تفتح الطريق أمام مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي بقيادة مدنية، مع آلية مراقبة تقودها الأمم المتحدة.
ويقترح المشروع انسحابات محدودة للقوات في شمال دارفور وشمال كردفان، وهو ما قبلت به الحكومة التي يقودها الجيش من حيث المبدأ لكنها طالبت بانسحاب أوسع لقوات الدعم السريع من كل المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، بينما قبلت قوات الدعم السريع بالهدنة ورفضت الانسحاب الجزئي.
وقال مسعد بولس إن اجتماع الرباعية والخماسية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة كان إيجابيا لتعزيز التنسيق بين الآليات الدولية، بمشاركة بريطانيا والنرويج وسويسرا وقطر.
من جانبه، أكد المندوب الأمريكي مايك والتز عزمه العمل مع مجلس الأمن لإجازة قرار يوسع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان مع تعزيز آليات المراقبة، مشيرا إلى توجيهات الرئيس ترامب ببذل كل الجهود لوقف المذابح التي يتعرض لها المدنيون من طرفي النزاع.
وأكد فرانك غارسيا استمرار الجهود الدبلوماسية بالتنسيق مع الشركاء في الرباعية وتوظيف الأدوات السياسية بما في ذلك توسيع دائرة العقوبات إذا اقتضت التطورات ذلك.
تحرك مدني واسع
ويأتي اختراق واشنطن بعد تحرك مكثف للوفد المدني في نيويورك، حيث عقد حمدوك لقاءات مع نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، ووكيلة الأمين العام للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، ومسؤولين ألمان ووزير خارجية الكونغو، لطرح رؤية تقوم على ربط المسار الإنساني بالمسار السياسي، وعدم اختزال الأزمة في تفاهم بين جنرالين.
ويرى محللون أن واشنطن انتقلت من مرحلة عرض المبادرات إلى مرحلة الضغط المباشر، عبر صناعة كلفة سياسية لرفض الهدنة، كان من مؤشراتها احتجاز تأشيرة البرهان لدخول الولايات المتحدة، وهي الخطوة التي فسرتها رويترز بأنها مرتبطة بقبول مقترح الهدنة، قبل أن يرفض البرهان في 26 سبتمبر ما وصفه بضغط التأشيرة.
وبهذا، يضع التحرك الأمريكي المدعوم مدنيا الإسلاميين وطرفي الحرب معا أمام اختبار حقيقي: إما القبول بهدنة تفتح الباب أمام جيش وطني موحد وحكم مدني، أو مواجهة عزلة دولية وعقوبات أوسع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.