مشروع السوكي الزراعي ليس مجرد مساحة من الأرض تُزرع في موسم وتحصد في آخر، بل منظومة إنتاج واقتصاد ومجتمع ارتبطت بها حياة قرى وأسر ومزارعين لعقود. والمشروع أُنشئ في سبعينيات القرن الماضي لإنتاج محاصيل نقدية،
واليوم، فإن الحديث عن مستقبل السوكي لم يعد ترفاً أو قضية مؤجلة؛ فهناك حاجة حقيقية للانتقال من تشخيص المشكلات وطرح الرؤى إلى برنامج تنفيذ واضح، له مسؤوليات وتمويل وجداول زمنية ونتائج يمكن قياسها.
وفي هذا السياق، تستحق رؤية تطوير وتأهيل هيئة السوكي الزراعية التي قدمها السيد مدير عام الهيئة، الدكتور صلاح الدين شريف طمبل، كل التقدير، لأنها تفتح الباب أمام إعادة التفكير في المشروع بصورة شاملة، ليس باعتباره أرضاً زراعية فقط، وإنما منظومة إنتاج وري وتصنيع واستثمار وخدمات.
لكن الرؤية مهما كانت متكاملة ستظل وثيقة ما لم تتحول إلى عمل في الميدان.
المطلوب من إدارة هيئة السوكي الزراعية
البداية يجب أن تكون من داخل المشروع نفسه. فالمطلوب من إدارة الهيئة تحويل الرؤية إلى خطة تنفيذية موحدة، تحدد احتياجات كل إدارة وقسم، والأولويات العاجلة، والتكلفة، ومصادر التمويل، والجهة المسؤولة، والجدول الزمني.
كما ينبغي أن تضع كل إدارة داخل الهيئة خطتها الخاصة، على أن تتكامل خطط الهندسة الزراعية والري والإنتاج الحيواني والبساتين والتصنيع والاستثمار والإدارة المالية والإعلام، ضمن رؤية واحدة.
والأهم أن تكون هناك آلية متابعة ومحاسبة تقيس ما تم إنجازه فعلياً، حتى لا تظل الخطط حبيسة الملفات والمكاتب.
وزارة الزراعة والري… إصلاح شريان المشروع
لا يمكن الحديث عن نهضة السوكي دون إصلاح منظومة الري. فالمشروع نفسه يعتمد على طلمبات رفع من النيل الأزرق، وشبكة واسعة من القنوات والميجرات والترع.
وهنا يأتي الدور الأساسي لوزارة الزراعة والري في دعم خطة تأهيل الطلمبات ومنشآت الري، وتطهير الترع والمواجر والمصارف، وصيانة أبواب ومنظمات المياه، وتأهيل الكباري والهدارات، وإعادة تفعيل مكاتب الري وخفراء الري.
كما يجب أن تتزامن إعادة تأهيل الري مع تأهيل الهندسة الزراعية والورش والآليات ووسائل الصيانة؛ فلا يمكن تدريب فني على آلة غير موجودة أو متعطلة، ولا يمكن تدريب كوادر إدارة المياه بينما شبكة المياه نفسها عاجزة عن أداء وظيفتها.
والأهم أن يصبح التدريب جزءاً من منظومة متكاملة: تأهيل البنية أولاً، ثم التدريب، ثم التطبيق والمتابعة.
وزارة المالية… التمويل الذي يحرك الخطة
كل رؤية تحتاج إلى موارد حتى تتحول إلى واقع.
والمطلوب من وزارة المالية وضع برنامج تمويلي مرحلي للمشروع، يبدأ بالأولويات الأكثر تأثيراً في الإنتاج، مع ربط التمويل بمؤشرات إنجاز واضحة.
فالتمويل المطلوب ليس مجرد إنفاق على مشروع متعثر، وإنما استثمار في مورد إنتاجي قادر على خلق الدخل وتحريك الزراعة والنقل والتجارة والخدمات والصناعة.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: كم يحتاج السوكي من المال؟ بل: كم يكلف استمرار ضعف الإنتاج مقارنة بتكلفة إعادة تأهيله؟
وزارة الصناعة والتجارة… من المحصول الخام إلى القيمة المضافة
لا ينبغي أن ينتهي دور السوكي عند إنتاج القطن أو الذرة أو الفول السوداني والمحاصيل الأخرى وبيعها خاماً.
المطلوب وضع خريطة للتصنيع الزراعي المرتبط بالمشروع: مصانع الزيوت والأعلاف، التجفيف والتعبئة، التخزين والصوامع، الفرز والتدريج، والصناعات المرتبطة بالقطن والغزل والنسيج عند استعادة إنتاجه.
فالمحصول يمكن أن يخلق مصنعاً، والمصنع يمكن أن يخلق وظائف، والوظائف تحرك الأسواق والخدمات والنقل.
وهكذا ينتقل السوكي من مشروع ينتج المحاصيل إلى منظومة تنتج المحاصيل والصناعة والقيمة المضافة.
وزارة الاستثمار… تحويل الإمكانات إلى فرص حقيقية
المطلوب من وزارة الاستثمار والتعاون الدولي إعداد خريطة استثمارية واضحة لمشروع السوكي، لا تكتفي بعرض الإمكانات العامة، وإنما تقدم للمستثمر مشروعات محددة ودراسات جدوى ومعلومات عن رأس المال والعائد والمخاطر والضمانات.
وتشمل الفرص الميكنة الزراعية، والورش والصيانة، ومصانع الزيوت والأعلاف، والتخزين، والتعبئة، والخدمات اللوجستية، والتصنيع الزراعي.
لكن الاستثمار الجاد يحتاج إلى شفافية وعقود واضحة وحماية لحقوق الدولة والهيئة والمزارعين والمستثمر.
الشركات المحلية والوطنية والعالمية… شراكة لا استنزاف
السوكي يحتاج إلى شركاء حقيقيين يأتون برأس المال والتكنولوجيا والخبرة والأسواق، وليس فقط لشراء المحاصيل.
المطلوب شراكات في الميكنة، والصيانة، والطاقة، والتصنيع، والتخزين، وسلاسل القيمة والتسويق.
والشريك الجاد يجب أن تكون التزاماته واضحة وقدراته المالية والفنية معروفة، وأن تحقق الشراكة منفعة حقيقية للمزارع والمشروع والدولة.
فالمطلوب ليس مستثمراً يأخذ من السوكي، وإنما شريكاً يساعد على إعادة تشغيل موارده وإضافة قيمة إليها.
والي ولاية سنار… توحيد الجهود داخل الولاية
السوكي قضية تتجاوز حدود إدارة المشروع، لأنه جزء أساسي من اقتصاد ولاية سنار ومجتمعاتها.
وهنا يأتي دور والي الولاية في جمع الجهات الحكومية والمحليات والمنظمات والشركات وأبناء الولاية حول برنامج واضح، وتنسيق الملفات التي تحتاج إلى تدخل ولائي، خصوصاً الطرق والخدمات والتصريف والطوارئ.
فالطريق الزراعي ليس مجرد طريق؛ قد يكون الطريق الذي ينقل مريضاً إلى المستشفى. والمصرف ليس مجرد مجرى للمياه؛ فقد يكون الفاصل بين موسم ناجح وغيط غارق.
محلية شرق سنار والوحدات الإدارية… عين المشروع في الميدان
المحلية والوحدات الإدارية هي الأقرب إلى المواطن والمزارع، ولذلك فإن دورها يجب أن يقوم على الرصد والاستجابة والتنسيق.
المطلوب حصر المشكلات ميدانياً، ومتابعة الطرق والمصارف ومناطق الغرق والخدمات، ورفع الاحتياجات بصورة عاجلة، وتسهيل حركة الآليات والمعدات، والتنسيق مع الهيئة وإدارة الري وتنظيمات المنتجين.
كما أن تنظيمات المزارعين مطالبة بتوحيد رؤيتها ومطالبها، وأن تكون شريكاً ف
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.