مناوي «مساعد الحلّة» الذي شتم السواق

مجاهد بشري

 

في مخاطبة لجالية أبناء دارفور الكريمة بنيويورك، استغربت جداً وأنا أسمع الحاكم السابق لإقليم دارفور وهو يكذب في وجوه الحاضرين، متحدثاً عن عضو مجلس السيادة الأسبق الأستاذ محمد حسن التعايشي، والذي يترأس حكومة السلام حالياً، حيث قال مناوي، بطريقة من لا يعرف الشخص جيداً:

«في واحد كدا اسمه التعايشي، كان موظف عندي في السلطة الانتقالية زمان، رسلتو إلى لندن، لدورة كدا وزاغ».

الغريب في حديث مناوي هو تصريحه بكلام يمكن تكذيبه بسهولة عندما يعلم الشخص التركيبة الهيكلية للسلطة الإقليمية لدارفور وفق اتفاق ابوجا للسلام 2006م، حيث كانت السلطة الإقليمية تتكون من جزئين؛ الأول رئاسة السلطة الإقليمية (مناوي ومكتبه)، والأمانة العامة للسلطة، وثانياً المفوضيات المتخصصة، ولم يعمل محمد حسن التعايشي برئاسة السلطة الانتقالية بالأمانة العامة للسلطة، وإنما بصندوق دارفور للإعمار والتنمية الذي ترأسه المهندس عبد الجبار محمود دوس، ولاحقاً بصندوق التعويضات برئاسة الراحل ابو القاسم أحمد ابو القاسم، وهو عمل كان بعيداً كل البعد عن «مساعد الحلّة» المنصب الذي منحه البشير لمناوي، وفقاً لقول الأخير، كاستحقاق عبر اتفاق أبوجا للسلام 2006م، علاوة على ذلك، كانت مؤسسات السلطة الإقليمية، كسائر مؤسسات الدولة، جهات اعتبارية لها كينونتها القانونية، ولم تكن ملكاً لأحد حتى يقول مساعد الحلة أن كل من عمل في مؤسسة من هذه المؤسسات قد عمل معه، أو عنده، فالناس في الدولة الحديثة يعملون لدى المؤسسات، وليس الأشخاص، مما يدل على عدم فهم مناوي حتى لهياكل السلطة الانتقالية التي أتوا به ليترأسها في غفلة من الزمان.

لكن الأغرب والمضحك أكثر أن تعرف بأن مناوي فرّ إلى جوبا تاركاً السلطة الانتقالية في 2010م، بينما ظل التعايشي بالسودان حتى مايو 2013م، يحاول تنمية إقليم دارفور الذي فرّ من رئاسته مساعد الحلة مناوي، وغادر التعايشي بعدها السودان بفيزا عمل رسمية لبريطانيا، أي بعد ثلاث سنوات من فرار مساعد الحلّة، وغادر التعايشي لحضور اجتماعات تتعلق بعمل، وليس لحضور أي دورة تدريبية.

لكن المثير للسخرية هو العلاقة المكانية العكسية بين التعايشي ومساعد الحلّة مني أركو مناوي؛ فعندما كان التعايشي رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم في 2002م، كان مناوي لا يعرف حتى موقع الخرطوم، ناهيك عن الجامعة، أكبر صرح أكاديمي وفكري في السودان، لا يعرف مناوي قيمته ولا قيمة السواق الذي لم يدرس به فحسب، وإنما ترأس اتحاده الذي لعب دوراً محورياً في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي.

ولا تتوقف السخرية عند هذا الحد؛ فعندما فرّ أركو مناوي من دارفور بعد هزيمته، وأصبح متشرداً، ولم يتبقَّ له سوى الذهاب إلى السماء ذات البروج، كما صرّح في لقاء تلفزيوني شهير، قامت ثورة شعبية عظيمة تعرف قيمة التعايشي وتاريخه ونضاله فأتت به، تحت مطلب وضغط جماهير الثورة، عضواً بمجلس السيادة في أول حكومة ثورة اطاحت بمن شرّدوا مناوي من أرضه، وللمفارقة، كان التعايشي أحد كبار المفاوضين في اتفاق جوبا للسلام، الذي أعاد مناوي من التشرد في أرجاء أوروبا، وكان التعايشي هو من اقترح أن تُعاد لأركو مني كرامته، ومسح لقب مساعد الحلّة، وتعيينه حاكماً على إقليم دارفور، في تفكير يشبه تفكير الأساتذة والباشاوات.

فكان أول رد لمناوي على عطايا «رئيسه» التعايشي هو التآمر مع العسكر والانقلاب على من أعادوا له كرامته التي مسح بها الكيزان الأرض، ومع تصاعد التناسب العكسي في العلاقة المكانية بين «مساعد الحلّة» مني أركو مناوي، والسواق الأستاذ محمد التعايشي، يعود مني مجدداً ليكون مجرد تاجر جنود لجلاديه، هارباً مجدداً من إقليم دارفور لما يقارب الأربع سنوات، بينما يترأس التعايشي حكومة رئاستها في نيالا، وتسيطر على دارفور وأقاليم أخرى، وكأن التاريخ قد ملّ من تلقين مناوي الدروس في الفرق بين السفيه والباشا.

حيث يتم إرسال مناوي كناشط ليتحدث في نيويورك بكذب بواح عن أحداث لم تحدث إلا في خياله، وبطولات وهمية يعجز حتى دماغه الخرب عن تذكرها، كعجزه عن تذكر اسم ربّه الحالي حين دعاه بعبد الفتاح السيسي عوضاً عن البرهان.

إن تناول مناوي للتعايشي بالكذب المكشوف هذا يعني أنه ما يزال مساعد حلّة، وليس رجل دولة، وهو فعلاً كما وصفه أمريكي عليم بشؤون السودان وتاريخه وأوضاعه السياسية: «The most useless person in Sudan»، ويعكس المرارة، والإحساس بالفشل المتلازم، وانعدام الأفق السياسي، والأهم هو الإحساس بالدونية التي يشعر بها تجاه السواق، الأستاذ محمد التعايشي، الذي لا يحتاج تعريفاً من قائد جيش، أو مناوي، الذي أصبح سمسارا مخلصاً لتاجر الرقيق ياسر العطا، يدفع بني جلدته للاحتراق في معركة الانقلابيين والكيزان لاستعادة سلطتهم التي انتزعتها منهم ثورة ديسمبر التي أعادت له اعتباره كشخص..
وليس مجرد مساعد حلّة.
لكن “مرمي الله ما بترفع”.
وإن عاد منّاوي للكذب..
عدنا للجلد..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.