لم يكن لكم فيما بيننا مقدار خردلة من صدق، فقد جف المداد، ولا موطئ قدم معنا.
خرجتم من التابوت بعدما أشعلتم الحريق، وتسيرون فوق رماد البلاد، طالبين الصدقة السياسية.
هكذا بدا الحديث الأخير لنافع علي نافع، حينما نطق بعد صمت طويل، ليقول ما لا يصدقه الماضي، ولا يحتمله الحاضر: لا مستقبل في السودان دون حوار وطني يشمل كل القوى السياسية.
يا للعجب، من شر الكيزان قد اقترب! من كان يرى السودان مزرعة خاصة للتنظيم، ومن كان يحرث الأرض بالسياط وبيوت الأشباح، صار اليوم داعية للمحبة ونبيًا للحوار المجروح!
أي حوار تطلبون اليوم يا هؤلاء؟ بعد أن أضعتم الوطن في لجة الطوفان، ومزقتم الخريطة إربا إربا، وأورثتم الأجيال بارودا ودموعا ونزوحا عميقا.
سقطت الأقنعة.. وبقي الأنين.
ثلاثون عاما من القبضة الحديدية، كان الشعار فيها: من ليس معنا فهو خائن ومرتد. واليوم، حينما انكسرت المرايا، وصار التنظيم مشتتا بين العواصم، تذكر “الكيزان” أن في الدنيا شيئا يسمى “الآخر”، وأن هناك شعوبا سودانية تستحق أن تجلس معها على طاولة واحدة.
لكن القلم يكتب بلسان ملايين المشردين في المنافي:
لا وصايا منكم.
جعلتم الدين مطية للعرش والمال، ولم يكن لكم فيما بيننا من عمار.
فأي عمار يبقى بعدما صارت الخرطوم خرابا؟
لا ننسى، وكيف ننسى كيف ضاع السودان؟
باسم المشروع الحضاري، بتر الجنوب، وباسم التمكين أقصيتم الشرفاء والكفاءات عن مفاصل الدولة، وباسم الجهاد أشعلتم دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق.
لم يكن هدفهم بناء أمة، بل بناء “تنظيم” عابر للقارات على جثة الوطن.
واليوم، يأتي التنظير متأخرا، يأتي ليقول إن السودان لا يسعه مجلس واحد دون جميع القوى.
أين كان هذا الفقه حينما كنتم تقولون: نحن أو الطوفان؟ أو حين أرقتم الدماء وسفكتم الأرواح؟
لقد جاء الطوفان بفعل زرعكم، وها أنتم تشربون من نفس الكأس المرة.
نحن لا نعيش في ماضيكم.
إن التحول الديمقراطي هو تأسيس لجهاد مدني جديد، يقوم على فكرة الدولة النقية، دولة لا يملك فيها حزب صك الغفران، ولا شيخ حق الوصاية.
تقولون: حوار شامل؟
نعم، السودان سيتحاور، لكن حينما تصمت بنادق الغدر، وعندما يعود الحق لأصحابه، وعندما يفهم كل من أجرم في حق هذا الشعب أن المحكمة سابقة قبل طاولة المفاوضات.
لا مستقبل للسودان بعقلية الماضي، ولا نجاة للأمة إذا أعيد تدوير النخب التي أفسدت زرعها.
تصريحات نافع وإخوانه ليست سوى اعتراف ضمني بالفشل الذريع، ومحاولة للقفز من جديد فوق حبال السياسة، بعد أن تقطعت بهم الأسباب.
ونقولها لهم ملء الفم: السودان لن يعود إلى الوراء، وقافلة الشعب، رغم الدماء والجراح والحروب، تعرف طريقها نحو الحرية والعدالة، بعيدا عن كل من تاجر بالدين، أو باع الأرض بثمن بخس، دراهم معدودة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.