حين وقف عبد الفتاح البرهان داخل أحد مستشفيات ود مدني معلناً: “مافي مريض يدفع قرش”، بدا وكأنه يخاطب سوداناً آخر، لا السودان الذي يعرفه ملايين المواطنين، ولا البلد الذي أنهكته الحرب، ولا المستشفيات التي أصبحت عاجزة عن توفير أبسط مقومات العلاج.
فالكلمات قد تمنح لحظة من التصفيق، لكنها لا تعالج مريضاً يبحث عن دواء مفقود، ولا تُشغّل جهازاً معطلاً، ولا توفر سريراً لمصاب، ولا تعيد طبيباً هاجر هرباً من الحرب والانهيار الاقتصادي.
المأساة الحقيقية أن المواطن السوداني لم يعد يخشى المرض وحده، بل يخشى تكلفة الوصول إلى المستشفى، ثم تكلفة الفحوصات، ثم تكلفة الدواء، ثم احتمال عدم العثور عليه أصلاً. وفي كثير من الحالات، تتحول رحلة العلاج إلى سباق مع الموت، لأن المستشفيات تفتقر إلى الإمكانات، ولأن الصيدليات تعاني من نقص الأدوية وارتفاع أسعارها بصورة غير مسبوقة.
أي حديث عن مجانية العلاج يفقد معناه عندما تكون المؤسسات الصحية نفسها قد أصبحت ضحية للحرب. فما قيمة إعلان العلاج المجاني إذا كانت المستشفيات تعاني نقص الكوادر، وانقطاع الكهرباء، وشح الوقود، وغياب الأجهزة والمحاليل والأدوية المنقذة للحياة؟
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تترك قطاعاً إلا وأصابته بالشلل، وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً. عشرات المستشفيات خرجت عن الخدمة، ومراكز صحية أغلقت أبوابها، وآلاف الكوادر الطبية غادرت البلاد أو توقفت عن العمل بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية. أما المواطن، فقد وجد نفسه وحيداً في مواجهة المرض والفقر معاً.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن من يتحدث اليوم عن مجانية العلاج هو نفسه قائد السلطة التي تدير البلاد في ظل هذه الحرب. فالسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن الحديث عن علاج مجاني بينما تستمر الحرب التي كانت السبب الرئيسي في انهيار المنظومة الصحية؟
المواطن لا يحتاج إلى تصريحات مطمئنة بقدر حاجته إلى مستشفى يعمل بكامل طاقته، وإلى طبيب يجد ما يحتاجه لإنقاذ المرضى، وإلى دواء متاح بسعر يمكن تحمله. أما العبارات الرنانة، فلن تُخفف معاناة أمٍّ تبحث عن دواء لطفلها، ولن تُنقذ مريضاً اضطر إلى بيع ما يملك لتغطية تكاليف العلاج.
وليس القطاع الصحي وحده من يدفع الثمن. فالأزمة الاقتصادية الخانقة جعلت ملايين السودانيين عاجزين عن توفير الغذاء الكافي، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة، وتراجعت قيمة العملة، وفقدت أعداد كبيرة من الأسر مصادر دخلها بسبب الحرب. ومن لا يجد قوت يومه، كيف سيواجه المرض إذا أصابه؟
إن الأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست أزمة تصريحات، بل أزمة سياسات وقرارات قادت البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث. ولا يمكن معالجة آثارها بخطابات عاطفية أو وعود إعلامية، بينما تستمر الأسباب التي صنعتها.
إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإنقاذ المرضى، فإن البداية ليست بإعلان أن العلاج مجاني، وإنما بوقف الحرب التي دمرت المستشفيات، وإعادة تأهيل المرافق الصحية، وتوفير الدواء، وضمان وصول المساعدات الطبية، وخلق بيئة تسمح للأطباء بأداء رسالتهم.
أما أن يُطلب من السودانيين تصديق أن العلاج أصبح مجانياً، بينما يشاهدون يومياً معاناة المرضى، ويعيشون واقع الغلاء والجوع وانهيار الخدمات، فذلك لا يزيد الفجوة بين الخطاب والواقع إلا اتساعاً.
السودانيون لا يريدون خطابات جديدة، بل يريدون نهاية للحرب التي سلبتهم الأمن، والغذاء، والدواء، وحقهم في حياة كريمة. وعندما تتوقف الحرب، يمكن حينها الحديث عن نظام صحي قادر على حماية الناس، لا عن وعود تتبدد أمام أبواب المستشفيات.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.