مبادرة الحوار السياسي بالداخل، التي أعلنها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بهدف إطلاق حوار سوداني، تعد قفزة في الظلام، ومحاطة بكثير من الشكوك في قدرتها على خلق عملية سياسية تتكئ على المصداقية، في ظل أوضاع أمنية مشتعلة بالمعارك القتالية في كردفان وولاية النيل الأزرق بين طرفي الحرب (الجيش ـ قوات تأسيس). حالة الميدان العسكري تثير سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كان الحوار سيكون أداة للسلام، أم أداة لإدارة المرحلة السياسية من داخل معسكر الحرب، الذي يظن وهمًا أنه يستطيع أن يحسم المعركة عسكريًا بالقضاء على قوات الدعم السريع أو قوات تأسيس.
المشهد السياسي السوداني يشير إلى أن دعوة البرهان للحوار السوداني بالداخل لن تجد أذنًا صاغية من جانب القوى السياسية والمدنية التي تسعى إلى تلاقي سياسي يوقف دوران عجلة الحرب، ويبدأ باتفاق لوقف إطلاق النار. كما أن المبادرة لن تحظى، على الأرجح، بروافع دولية ذات نفوذ كالولايات المتحدة الأميركية، لأنها، في نظر منتقديها، قد تتحول إلى حوار يمنح حكومة بورتسودان شرعية بعيدة المنال.
ليس هناك منطق أو محفز يجعل القوى السياسية والمدنية تنخرط في حوار يملك البرهان سلطة تنظيمه، وتحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته، في ظل غياب ضمانات قانونية وأمنية وسياسية واضحة للمشاركين. ولا جدال في أن هذه الضمانات ستكون عرضة للانتهاك في أي لحظة، خصوصًا إذا غلبت الحسابات العسكرية والسياسية على مقتضيات الحوار ، قابلة للتمزيق من قبل قائد الجيش في أية لحظة يتلقى فيها أوامر من قيادة الحركة الإسلامية لنقض العهود . وقد تجد قيادات القوى السياسية والمدنية والناشطون أنفسهم مرة أخرى تحت سندان البلاغات الجنائية ومطرقة القبول بأجندة القوى الداعمة للحرب.فالصورة تبدو واضحة: لا توجد بيئة سياسية أو أمنية محايدة تمكّن القوى السياسية والمدنية الداعية إلى السلام من المشاركة بحرية وأمان في الحوار.
أما الموقف الأميركي وضع شروطاً سياسية تجعل تحويل حوار البرهان التكتيكي مدخلاً يمنح السلطة العسكرية شرعية سياسية أمرًا بالغ الصعوبة، وفي المقابل تركت واشنطن الباب مفتوحاً للعمل مع شركائها من أجل دعم «حوار سوداني حقيقي وشامل بقيادة مدنية»، مبرأً من الإقصاء المكر السياسي للإسلاميين، الذين تم تصنيفهم جماعة إرهابية من قبل الإدارة الأميركية التي تستبعد مشاركة المؤتمر الوطني والقوى المرتبطة بالتطرف العنيف في الحوار. وقد أكدت مواقف دولية حديثة أن مستقبل الحكم في السودان ينبغي أن يحدده السودانيون عبر عملية انتقالية مستقلة وشاملة وشفافة بقيادة مدنية، وأن يكون الحوار جزءًا من مسار أوسع لإنهاء الحرب وتحقيق الانتقال السياسي.
دعوة البرهان للحوار السوداني بالداخل تعكس حالة الطغيان التي تلبسته، فأطلق مبادرة لحوار «الوثبة 2»، على وزن حوار «الوثبة » الذي أطلقه الرئيس المعزول عمر البشير، والذي انتهى إلى عكس ما أراد له النظام، وأصبح إحدى المحطات التي سبقت سقوطه. إلا أن «حوار الوثبة 2» يصطدم اليوم بمواقف دولية تطرح مقترحات متكررة لهدنة إنسانية وخطة أوسع للسلام، بهدف إنقاذ الأرواح ووضع السودان على مسار يقود إلى حوار سياسي سوداني ـ سوداني، وسلام دائم، وانتقال سياسي مستقر.
الحوار «الانتهازي» الذي تطرحه بورتسودان قد يبدو في ظاهره رحمة تجمع الفرقاء السودانيين، لكنه قد يتحول في باطنه إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية وتمكين حلفائها السياسيين من استعادة نفوذهم عبر واجهة سياسية جديدة. فبينما ترغب بورتسودان في تنظيم العملية السياسية داخل السودان، وربطها بالواقع الذي فرضته الحرب، تؤكد واشنطن وحلفاؤها ضرورة أن يكون الحوار شاملًا ومستقلًا وشفافًا، وأن تقود المدنيين العملية السياسية. وهذا يجرّد السلطة العسكرية من حق التحكم المنفرد في مسار الحوار أو تحديد المشاركين فيه وأجندته ونتائجه. وبهذه الشروط نزعت واشنطن غطاء سياسة الأحادية من حكومة بورتسودان، التي تسعى إلى تركيع الجميع تحت أهدافها من حوار «الوثبة 2» في نسخته البرهانية. واشنطن بنت سدًا منيعًا يقف حاجزًا أمام سيطرة بورتسودان والتحكم في اتجاهات الحوار وأجندته السياسية والأمنية ومخرجاته.
لسان حال مبادرة الحوار السوداني بالداخل يتجاهل مسألة إنهاء الحرب أو إعادة السلطة إلى المدنيين، بقدر ما يسعى إلى إعادة تنظيم خطواتها لبناء شرعية مزيفة، بعد أن قضى انقلاب 25 أكتوبر 2021م على شرعية الحكم المدني. فيسعى البرهان إلى الشرعية التي تأتي محمولة على أكتاف التحالفات المؤيدة للحرب، من خلال تجميع قوى سياسية وقبلية ودينية داخل واجهة مدنية تمنح السلطة العسكرية غطاءً سياسيًا للاستمرار في الحرب، مع إبعاد القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب والرافضة لعودة الإسلاميين إلى العملية السياسية مع أن سيناريو استمرار الحرب لا يقود إلى رتق ما تفتق، بل قد يشجع على تمزيق البلاد وإطالة أمد الصراع المسلح، ويدفع السودان إلى مسار معاكس تمامًا لجهود وقف الحرب وتحقيق السلام الشامل، تمهيدًا لاستعادة الحكم المدني الديمقراطي.
يريد البرهان، في الحوار السوداني، أن يلعب دور الحَكَم والخصم في الوقت نفسه. ولا يبدو مستعدًا لترك مساحة حقيقية للحياد في العملية السياسية، لأنه، وفق هذا المنظور، يريد أن يحدد شكل العملية السياسية التي تضمن استمرار نفوذه السياسي والعسكري. أما واشنطن فلا تنظر إلى الحوار باعتباره مجرد اجتماع للقوى السياسية السودانية يمنح البرهان شرعية للاستمرار في الحرب، وإنما تريده جزءًا من عملية أكبر تبدأ بوقف الحرب، ثم تفتح الطريق أمام تسوية سياسية وانتقال مدني. ولهذا شددت واشنطن وحلفاؤها على مقترحات الهدنة الإنسانية وخطة أوسع للسلام، بهدف وضع السودان على طريق الحوار السياسي والسلام الدائم والانتقال السياسي المستقر. وقد أكدت المواقف الدولية الحديثة أن الحوار المطلوب ينبغي أن يكون شاملًا، بقيادة مدنية، ويضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب، وأن يكون خاليًا من الإكراه.
من هنا تبدو مبادرة الحوار الداخلي، في نظر خصومها، مجرد وسيلة لإقصاء القوى المعارضة أو تلك الموجودة خارج مناطق سيطرة الجيش، أو لمنح شرعية سياسية لواقع عسكري قائم؛ وهو ما يجعل واشنطن أكثر تحفظًا في التعاطي معها. الموقف يبدو أكثر وضوحًا الآن: الحوار الذي يقوده البرهان يهدف إلى ضمان بقائه في السلطة، بينما الحوار الذي ينادي به معسكر «لا للحرب، نعم للسلام» يركز على القضية الجوهرية: كيفية إنهاء الحرب وتأسيس دولة مدنية لا يكون فيها الجيش طرفًا سياسيًا، بل مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة، تُعاد هيكلتها وبناؤها لتقوم بدورها في حماية البلاد، بعيدًا عن ممارسة السلطة السياسية. فالسودان لا يحتاج إلى حوار يُدار من داخل معسكر الحرب، ولا إلى عملية سياسية تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة العسكرية، وإنما يحتاج إلى حوار حقيقي يبدأ بإيقاف الحرب، وينتهي إلى دولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها القوات المسلحة مؤسسة وطنية مهنية، لا لاعبًا سياسيًا أو وصيًا على مستقبل البلاد.. وهنا يكمن الفارق بين حوار يبحث عن السلام، وحوار يبحث عن شرعية سياسية للحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.