يقول ألبرت أينشتاين: «المهم ألا نتوقف عن طرح الأسئلة».
ويقول الفيلسوف كارل ياسبرز: المهم في طرح الأسئلة ليس هو الجواب، بل هو السؤال.
فالفلسفة تعني دائمًا بإعادة طرح السؤال نفسه لكن بطريقة أخرى، طريقة تبدو جديدة رغم أنها تناقش فقط تطورًا طرأ على ذات مشكلها القديم.
وبالطبع ثمة أسئلةٌ لا تنتهي حين تجد إجاباتها؛ بل تتناسل، فكلُّ سؤالٍ حقيقي يولد من رحم سؤالٍ أقدم منه، ثم لا يلبث أن يلد سؤالًا أشد عمقًا، حتى يصبح السؤال الأول مجرد أثر قدمٍ على الطريق، بينما يكون الطريق نفسه قد تغيّر.
ولعل تاريخ السودان الحديث يمكن أن يُقرأ، في جانبٍ منه، كتاريخٍ للأسئلة التي لم تتوقف عن التناسل.
فمنذ أزمانٍ طويلة ظل سؤال الحكم يطرق أبوابنا: من يحكم السودان؟
وكان السؤال، في ظاهره، عن الحاكم.
لكنه في جوهره كان عن السلطة، ومن يملكها، ومن يحق له أن يجلس في مركزها.
ثم بدا أن السؤال، بعد طول دوران، قد استنفد نفسه، فخرج من رحمه سؤالٌ آخر: كيف يُحكم السودان؟
وكان ذلك انتقالًا مهمًّا من سؤال الشخص إلى سؤال الدولة؛ من هوية الحاكم إلى طبيعة الحكم؛ من «من؟» إلى «كيف؟».
ولعل الدكتور جون قرنق كان من أبرز الذين حاولوا دفع السؤال السوداني إلى هذه العتبة الجديدة:
لا تنشغلوا فقط بمن يحكم السودان، واسألوا: كيف ينبغي أن يُحكم؟ أيُّ دولة؟ أيُّ عقد؟ أيُّ علاقة تنشأ بين المركز والهامش؟ أيُّ مواطنة؟ وأيُّ نظام يجعل اختلاف السودانيين سببًا لاتساع الوطن لا ذريعةً لتفكيكه؟
لكن الواقع، كعادته، لا يسمح للأسئلة أن تختار طريقها وحدها.
فالحرب لا تحترم أناقة الأسئلة.
وقد أعادتنا الحرب، في جنوب السودان قبل الانفصال، وفي السودان الآن، إلى ذات السؤال الذي ظننا أننا قد تجاوزناه: من يحكم؟ بل أعادته إلينا بصورة أكثر قسوة: من يملك حق تعريف الدولة نفسها؟
وهنا بدأت الأسئلة تتكاثر.
فالأسئلة، كما يبدو، ليست مجرد عباراتٍ نضعها على الطاولة، إنها ابنة الواقع.
المهم، حين يتغير الواقع تتغير الأسئلة، أو ينبغي لها أن تتغير.
ولهذا فإن حكاية أخرى منسوبة إلى ألبرت أينشتاين تظل، بصرف النظر عن دقة نسبتها التاريخية، صالحةً كاستعارة: قيل إنه أعاد لطلابه الامتحان نفسه بأسئلته نفسها، فلما نُبّه إلى أنهم سبق أن امتُحنوا فيه، قال: لقد تغيرت الإجابات وإن لم تتغير الأسئلة.
وهنا تكمن المفارقة السودانية.
ربما لم تكن مشكلتنا دائمًا أننا لم نعرف الإجابات.
ربما كانت المشكلة أننا ظللنا نطرح السؤال نفسه بينما كان الواقع قد ذهب بعيدًا.
فالسؤال القديم كان: من يحكم السودان؟ ثم: كيف يُحكم السودان؟
لكن هذه الحرب لم تغيّر الإجابات فقط، لقد غيّرت موضوع السؤال نفسه.
فبعد الخراب، والنزوح، وتشقق الجغرافيا الاجتماعية، وانهيار أجزاء واسعة من الدولة، لم يعد السودان الذي كان في ذهن السائل هو السودان الذي يقف أمامه الآن.
وهكذا خرج السؤال الثالث، من رحم السؤال الثاني: أيُّ سودانٍ سيُحكم اليوم؟
وهنا تبدأ الحكاية الأخطر، لأن هذا السؤال يفترض، في داخله، أن السودان معلومٌ ومتفقٌ عليه.
لكن هل ما زال هو كذلك؟
فقد انكسرت المرآة، ولم تعد الصورة واحدة.
تبعثرت أجزاء الوجه الواحد إلى شظايا كثيرة.
وصار كلُّ طرفٍ يرى السودان من موضع شظيته.
النهر والبحر، الشرق، الغرب، الشمال، الصحراء، والغابة.
والخرائط التي كانت بالأمس مجرد اختلافاتٍ في النظر، بدأ بعضها اليوم يتحول إلى تصوراتٍ عن كيانات.
وهنا تتناسل الأسئلة من جديد: إذا كانت الصور متعددة، فهل الوجه واحد؟
وإذا تعددت الأقاليم، فهل تعددت الأوطان؟
وإذا تعددت الهويات، فهل تعدد الشعب؟
وإذا أصبحنا نسمع، بلا مواربة، في بعض الأدبيات والخطابات شبه الرسمية، عن «الشعوب السودانية» بعد أن اعتدنا طويلاً على عبارة «الشعب السوداني»، فهل نحن أمام مجرد اتساعٍ محمود في الاعتراف بالتنوع؟
أم أننا أمام تحولٍ أعمق في تعريف الجماعة السياسية نفسها؟
وهنا ينبغي ألا نخاف من مثل هذه الكلمة، فالسودان لم يكن يومًا مجتمعًا من لونٍ واحد، ولا لغةً واحدة، ولا ثقافةً واحدة، ولا ذاكرةً واحدة.
فالسودان متعدد بطبيعته، والمشكلة لم تكن في تعدده، لكن ربما كانت في أننا لم نحسن إدارة تعدده، أو تحويله من مشكلة سلطة إلى مصدر إلهام.
لكن ثمة فرقًا هائلًا بين أن نقول: نحن شعبٌ واحد متعدد، وأن نقول: نحن شعوبٌ متعددة.
الأولى تجعل التعدد صفةً داخل الوحدة، والثانية تفتح سؤالًا عن طبيعة الوحدة نفسها.
وهنا لا يعود السؤال: من يحكم؟ لكن: من نحن حين نقول: نحن؟
ومن هنا يصبح القاموس نفسه جزءًا من المعركة.
فاللغة لا تصف الواقع دائمًا، أحيانًا هي التي تمنحه شكله الجديد.
حين نقول «الشعب السوداني» فنحن، ولو ضمنيًّا، نفترض جماعةً سياسيةً واحدة تتعدد داخلها الأصوات.
وحين نقول «الشعوب السودانية» فنحن نفتح احتمالًا آخر: أن يكون التعدد ليس داخل الشعب فقط، إنما في تعريف الشعب نفسه.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الانفصال قادم.
لكن يعني أن السؤال قد دخل منطقةً جديدة، منطقةً لا يجوز فيها أن نكتفي بترديد الشعارات القديمة.
وهنا تظهر استعارة التركة.
فالأب ما زال مسجّى، والدم لم يجف، والبيت لم يفرغ من رائحة الموت، والجنازة لم تخرج بعد.
لكن بعض الورثة بدأوا يتساءلون: من يأخذ ماذا؟ كأن السودان لم يعد وطنًا يحتاج إلى قبلة حياة، إنما تركةً تحتاج إلى قسمة.
وهنا يكون أخطر ما في الأمر أن التقسيم قد يبدأ قبل أن تُرسم الحدود، يبدأ في الخيال، ثم في اللغة، ثم في السياسة، ثم، إذا وجد طريقه، إلى الجغرافيا.
فستصبح الشظية وطنًا في ذهن صاحبها، ويصبح الوطن نفسه مجرد مجموعٍ من الشظايا.
لكن سؤالًا آخر يتولد هنا: هل الوحدة هي في بقاء الخريطة؟ بالطبع لا، فقد تبقى الخريطة واحدة والبلاد منقسمة في الوجدان.
وقد تبقى الحدود ثابتة بينما يعيش كل إقليم كأنه جزيرة منعزلة، فتلك ليست وحدة، إنها وحدة الشكل وانقسام المضمون.
وكذلك فإن التقسيم ليس مجرد خطٍ يُرسم على الأرض، قد يبدأ التقسيم عندما يفقد الناس إحساسهم بأن مصيرهم مشترك.
ولهذا فإن أخطر حدود السودان ربما ليست تلك التي يمكن رسمها بالقلم، لكن تلك التي تُرسم في القلوب.
وهكذا يولد سؤالٌ جديد: ما الذي يجعل السودان واحدًا دون أن تجعل وحدته سجنًا؟
كيف يكون الشرق شرقًا دون أن يصبح خارج السودان؟
وكيف يكون الغرب غربًا دون أن يكون منفيًّا من الوطن؟
وكيف يكون المركز مركزًا دون أن يكون مالكًا للأطراف؟
وكيف يصبح الاختلاف اتساعًا للوطن لا مقدمةً للخروج منه؟
هنا ينتقل سؤال الحكم مرةً أخرى: من «من يحكم؟» إلى: كيف نعيش معًا؟، وهو، ربما، أعمق من سؤال الحكومة نفسها.
لكن حتى هذا السؤال لن يكون الأخير، لأننا إذا سألنا: كيف نعيش معًا؟ فلا بد أن نسأل: ما الدولة التي تجعل ذلك ممكنًا؟ ثم: أي عقدٍ اجتماعي؟ ثم: أي مواطنة؟ ثم: أي عدالة؟ ثم: بأي ذاكرة مشتركة؟
قبل أن نكتشف أن كل سؤالٍ كان يفتح بابًا لسؤالٍ آخر.
وهكذا تتناسل الأسئلة حتى نصل إلى أصلها: أيُّ سودانٍ نريد أن يكون؟
وهنا، ينبغي أن نتوقف عن تقليب الدفاتر الهالكة.
فكل الكتب القديمة يمكن أن تساعدنا في فهم كيف وصلنا إلى هنا.
كتب اليمين، وكتب اليسار، وكتب القومية، والطائفية، والاشتراكية، والليبرالية، وكتب المركز والهامش، ومذكرات الانقلابات، وتاريخ الحروب.
نعم، كلها مهمة، لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تكتب المستقبل.
لأننا نحاول، أحيانًا، أن نقرأ زمنًا جديدًا بقاموس زمنٍ مات.
وهذه هي غرامشيتنا السودانية: قديمٌ يموت ولا يستطيع أن يعود كما كان، وجديدٌ يتخلّق ولا يستطيع أن يولد بعد.
وبين الاثنين تتسع الفجوة، وفي الفجوة تتوالد الأسئلة، وتكثر الأشباح، وتظهر المشاريع التي لم تجد بعد وطنًا مناسبًا لها.
لذلك لا نحتاج الآن إلى إجابات جديدة فقط، نحتاج إلى سؤالٍ أصلح.
فالأسئلة الجيدة لا تغير طريقة إجابتنا عن الحياة فحسب؛ إنما هي تغير الحياة التي نستطيع تخيلها.
وربما لهذا فإن السؤال: من يحكم السودان؟ يظل سؤالًا ضروريًّا، لكنه لم يعد كافيًا.
والسؤال: كيف يُحكم السودان؟ أرقى منه، لكنه لا يزال يفترض أن السودان معروف ومحدد.
والسؤال: أيُّ سودانٍ سيُحكم؟ هو سؤال أعمق، لكنه لا يزال يفترض أن هناك سودانًا جاهزًا ينتظر حاكمًا.
أما السؤال الذي يتجاوزها جميعًا فهو: أيُّ سودانٍ نريد أن يكون؟
وعندها فقط يعود السؤال إلى «هؤلاء».
أيُّ سودانٍ يسعى لحكمه الآن هؤلاء؟
هو ليس سؤالًا عن قدرتهم على الوصول إلى مقعد السلطة فقط، لكنه سؤال عن السودان الذي يحملونه في رؤوسهم.
أي سودان؟ سودان الغلبة؟ أم سودان المركز القديم؟ أم سودان المحاصصة؟ أم سودان الشظايا؟ أم هو سودان الخرائط التي تقسم التركة قبل دفن صاحبها؟
أم هو سودانٌ جديد يعترف بكل اختلافاته دون أن يحولها إلى سكاكين؟
هنا يصبح السؤال محكمةً لا شعارًا.
فالمشكلة ليست فقط: هل يستطيع هؤلاء أن يحكموا؟ لكن: أيَّ سودانٍ يريدون أن يحكموا؟
ثم السؤال الأشد: هل بقي السودان الذي يعرفونه؟ وهل هو السودان الذي يقف ماثلاً أمامنا الآن؟
ولعل المفارقة الكبرى أن الحرب، التي بدت في أول الأمر كأنها معركةٌ على السلطة، قد تكون قد دفعتنا، رغماً عنا، إلى ما هو أبعد من السلطة.
لقد أخرجتنا من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: ما الذي نحكمه؟ ثم إلى: من نحن؟ ثم، أخيرًا: ماذا نريد أن نكون؟
وهنا ربما تبدأ السياسة الحقيقية، فالدولة ليست غنيمةً لمن ينتصر، والوطن ليس تركةً بعد وفاة الأب، والسلطة ليست تاجًا، والشرعية ليست شهادةً قديمة، والوحدة ليست بقاء الحدود، كما أن التعدد ليس هو بالضرورة انفصالًا.
والسلام كذلك ليس مجرد إسكات البندقية، والانتصار ليس أن يغلب السوداني سودانيًّا آخر.
فالانتصار هو أن نستطيع، بعد كل هذا الخراب، أن نصنع وطنًا لا يحتاج فيه أحدٌ إلى قتل الآخر كي يثبت أنه موجود.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد أن تنتهي كل الأسئلة الأخرى: أيُّ سودانٍ نريد أن يكون؟
ثم سؤالٌ أعمق سرًّا: أيُّ سودانيين ينبغي أن نصير حتى يصبح ذلك السودان ممكنًا؟
فربما لا تكون مهمة هذا الجيل أن يجد حاكمًا جديدًا للسودان القديم،
بل أن يصنع السودان الذي يجعل اختيار أي حاكم أقل خطرًا من ذي قبل.
وقد لا يكون المطلوب أن نعيد المرآة إلى حالتها الأولى، فالمرآة انكسرت، لكن الوجه لم ينكسر.
وقد تكون الشظايا، إذا أحسنا قراءتها، لا تقول لنا إن السودان انتهى، لكنها تقول: إن الصورة القديمة للسودان قد انتهت.
وهذا فرقٌ هائل، فالسؤال إذن ليس كيف نعيد ترتيب أشلاء الصورة التي تمزقت؟
لكن: أيُّ صورةٍ جديدة يستطيع السودان أن يكونها دون أن يفقد وجهه الأقدم وليس القديم؟
وهناك، عند هذه العتبة، قد يتراجع سؤال «من سيحكم؟» إلى مكانه الطبيعي.
ويعود الوطن إلى مكانه الأول البعيد.
لا بوصفه تركةً يتقاسمها الورثة، ولا مرآةً تتقاتل الشظايا على امتلاكها، ولا اسمًا تتنازعه «الشعوب»،
لكن بوصفه معنىً مشتركًا لم تكتمل صورته بعد.
وعندها فقط قد يصبح السؤال الأخير ليس: أيُّ سودانٍ سيحكمه هؤلاء؟ إنما: أيُّ سودانٍ سيبقى لنا بعدهم؟
ثم، في الصمت الذي يلي السؤال، ربما يخرج السؤال الذي ظل ينتظرنا منذ البداية:
أيُّ سودانٍ نريد أن نكون؟.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.