طالعنا في الأسافير بياناً صادراً عن حزب الأمة القومي وحزب الأمة يضع حداً للمناورات السياسية التي تحاول شرعنة الأمر الواقع الذي فرضته الحرب إذ إن الحزبين ومن خلال بيانهما المشترك يذهبان مباشرة إلى تفكيك الخطاب السلطوي وتعرية محاولات إضفاء القبول على الواقع العسكري عبر عمليات سياسية صورية متجاوزين مجرد الرفض الإجرائي لدعوة الحوار الداخلي التي طرحها الفريق عبد الفتاح البرهان.
إن الدعوة إلى حوار سياسي في ظل سريان العمليات العسكرية واستمرار الانتهاكات تتجاهل المقومات القانونية والسياسية لأي عملية تفاوضية سليمة إذ إن الحوار تحت السلاح ليس عملية تكاملية بل هو سعي لانتزاع تفويض سياسي فرضته موازين القوة الميدانية ولتغطية العجز التأسيسي للسلطة القائمة.
تكتمل أزمة هذه الدعوة في نفيها للشمولية فكيف لعملية سياسية أن تكون شاملة بينما الملايين من المواطنين يقيمون في مخيمات النزوح ودول اللجوء، أو يعيشون تحت الحصار؟
إن عقد حوار في مناطق خاضعة لسيطرة طرف واحد يحول العملية بالضرورة إلى لقاء للموالين ويُسقط الشرعية عن أي مخرجات تدعي التعبير عن الإرادة القومية.
كما أن الادعاء بأن الدولة ليست هي المنظمة للحوار لا يمنح العملية استقلالية تلقائية فالاستقلالية الحقيقية ليست حصانات إجرائية مؤقتة تُسحب فور انتهاء المؤتمر بل هي دولة قانون وحماية دائمة لحرية التعبير والعمل السياسي وحياد تام للمنصة والمكان. وفي ظل غياب هذه الشروط داخل البلاد تظل المنصات المحايدة الميسرة إقليمياً ودولياً هي الخيار الأكثر توفيراً لشرط تكافؤ الفرص.
إن المخرج الحقيقي لا يكمن في ترقيع سلطة الأمر الواقع أو إعادة تدوير أطرافها بل في تفكيك بنية الحرب نفسها عبر الإيقاف الفوري للقتال والوصول إلى ترتيبات أمنية حاسمة تفضي إلى جيش وطني مهني موحد يحظر عليه ممارسة السياسة والنشاط الاستثماري لتُسلم إدارة البلاد لسلطة مدنية انتقالية مستقلة تعيد بناء مؤسسات الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة الانتقالية.
إن الشجاعة السياسية لا تكمن في إدارة الحروب وتكرار تجارب السيطرة بل في امتلاك الجسارة لإيقاف هذا النزيف والقبول بمسار مدني ديمقراطي خالص لا يستثني أحداً ولا يمنح في الوقت ذاته شرعية لمن اتخذ السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة. وفي هذا السياق جاءت هذه الخطوة التنسيقية المشتركة لتثلج صدور الكثيرين من أتباع الكيان والمهتمين بالأنشطة الوطنية إذ يُنظر إلى هذا التوافق بوصفه اللبنة الأولى والمستحقة ونقطة البداية الحقيقية للملمة أوراق البيت الكبير لاستعادة دوره التاريخي وسيرته الأولى. إن توحيد الرؤية بين الطرفين في هذه اللحظة الحرجة يمنح العمل السياسي سنداً جماهيرياً متيناً ويُعيد بناء الكتلة الوطنية القادرة على التأثير وتوجيه المسار نحو السلام
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.