جدل الحوار حين يصبح هروبا من الحقيقة

صفاء الزين

كفى عبثا بكلمة الحوار فالسودان لا يحتاج إلى حوار يستهلك الوقت ويعيد تدوير الأحداث نفسها بينما تستمر الحرب وتتسع الكارثة ويدفع السودانيون وحدهم ثمن الفشل السياسي فالحوار ليس إنجازا في ذاته وقيمة أي حوار تقاس بالنتائج التي يحققها والطريق الذي يفتحه نحو الحل

المشكلة في الحديث عن الحوار دون تحديد غايته فماذا نريد أن نغير وماذا نريد أن ننهي وماذا نريد أن نبني هل نبحث عن إنهاء الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية أم نبحث عن صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين القوى التي فشلت في إدارة الدولة وأوصلتها إلى هذا الانهيار

السودان لا تنقصه المؤتمرات ولا المبادرات ولا البيانات السياسية فقد جرب السودانيون كثيرا من الطاولات التي انتهت إلى تسويات مؤقتة أعادت إنتاج الأزمة نفسها ولهذا فإن تكرار المنهج ذاته وانتظار نتيجة مختلفة ليس حلا وإنما هروب من أصل المشكلة

الأخطر أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة تدوير الكيزان والقوى التي ظلت تتعامل مع الدولة باعتبارها مجالا للنفوذ السودان ليس غنيمة تتقاسمها الحركة الاسلاموية ولا ملكا لللدولة العنيقةومن يمتلك المال لا يملك شرعية تقرير مستقبل الدولة ومن يملك نفوذا سياسيا لا يملك حق احتكار المستقبل

أي حوار جاد يجب أن يبدأ من الأسئلة التي تهرب منها السياسة كيف تنتهي الحرب وكيف تحمى حياة المدنيين وكيف تتحقق العدالة وكيف تنتهي عسكرة السياسة وكيف تبنى مؤسسات الدولة وكيف يصبح الانتقال المدني الديمقراطي طريقا حقيقيا لا شعارا سياسيا

ويجب أن يكون المجتمع السوداني في قلب أي عملية سياسية فالنساء والشباب والنازحون واللاجئون والضحايا والمجتمع المدني والقوى المهنية والمجتمعية ليسوا جمهورًا ينتظر ما تقرره الأنانية في الغرف المغلقة ومن دفع ثمن الحرب يجب أن يكون شريكا في صناعة السلام

كما أن العدالة لا يمكن أن تتحول إلى ملف مؤجل فالسلام الذي يتجاهل حقوق الضحايا ويغلق أبواب المساءلة يترك أسباب الصراع قائمة ويهيئ البلاد لجولة جديدة من العنف ووقف الحرب ضرورة لكن إنهاء الحرب يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة وبناء دولة تمنع تكرارها

لذلك لا معنى للسؤال هل نحن مع الحوار أم ضده السؤال الحقيقي هو أي حوار نريد وما غايته ومن يشارك فيه وما أجندته وما النتائج التي يفترض أن يصل إليها فإذا كانت الإجابات غائبة فلا معنى لطاولة جديدة تضاف إلى تاريخ طويل من الحوارات التي استهلكت السياسة ولم تنقذ الدولة

نحن مع الحوار الذي يقود إلى السلام ومع السياسة التي تضع حياة السودانيين وحقوقهم فوق مصالح المتنافسين على السلطة لكننا نرفض تحويل الحوار إلى غطاء لإعادة تدوير الفشل أو وسيلة لتأجيل الأسئلة الكبرى أو مدخل لإعادة إنتاج القوى التي صنعت الأزمة ثم تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحل

فالحوار الذي لا يقود إلى تغيير حقيقي ليس طريقا إلى الحل وإنما طريقة أخرى لإبقاء السودان عالقا في أزمته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.