التدهور الاقتصادي المتسارع في السودان: هل يفرض الواقع الاقتصادي نهايةً للحرب؟

أواب عزام البوشي

من متابعتي للمشهد السوداني خلال الفترة الأخيرة، ألاحظ شيئًا مهمًا: وتيرة المعارك العسكرية بدأت تهدأ بصورة واضحة مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب.
المعارك التي كانت نشطة بدأت تتراجع، وأصبحت العمليات العسكرية أقل كثافة في عدد من الجبهات، بالتزامن مع تدهور اقتصادي غير مسبوق وانهيار متواصل في قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وهنا أعتقد أن هناك علاقة يجب التوقف عندها.
الحرب استنزفت طرفيها.
لم تعد القضية فقط في القدرة على حشد القوات والسيطرة على الأرض، وإنما في القدرة على تمويل الحرب نفسها. فالعمليات العسكرية تحتاج إلى سلاح وذخيرة ووقود وصيانة وإمداد، وكل ذلك أصبح أكثر تكلفة في ظل اقتصاد سوداني يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، بينما يتراجع الإنتاج وتضعف موارد الدولة.
وفي المقابل، تعرضت مصادر تمويل الحرب لضغوط متزايدة، خصوصًا قطاع الذهب الذي كان أحد أهم مصادر العملات الأجنبية وشبكات تمويل الحرب. العقوبات الأمريكية والأوروبية على شركات وشبكات مرتبطة بالذهب وتمويل الصراع زادت من صعوبة الوصول إلى الموارد المالية.
ثم جاءت حرب الشرق الأوسط لتضيف عامل استنزاف جديدًا، وامتد تأثيرها إلى الطاقة والتجارة والملاحة، خصوصًا مع اضطراب حركة السفن في مضيق هرمز.
واللافت بالنسبة لي أن حكومة بورتسودان بدأت في الفترة الأخيرة تتحرك باتجاه مختلف: محاولات صيانة المستشفيات، وإعادة تأهيل الطرق والشوارع، وتحسين بعض الخدمات، وتشجيع عودة المواطنين إلى المناطق التي أصبحت أكثر استقرارًا.
لماذا الآن؟
في تقديري، هناك إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لفترة طويلة لا يستنزف الخصم فقط، وإنما يستنزف الاقتصاد الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة نفسها.
ولهذا يصبح إعادة تشغيل المدن والخدمات واستعادة حركة المواطنين والتجارة محاولة لاستعادة النشاط الاقتصادي وفتح مصادر جديدة للإيرادات، بدل استمرار استنزاف ما تبقى من موارد البلاد في الحرب.
وهنا تظهر المفارقة:
الدولة التي كانت تتحرك بمنطق الحرب بدأت مضطرة إلى التفكير بمنطق الاقتصاد.
وهذا لا يعني أن الحرب انتهت، ولا أن الأطراف تخلت عن الخيار العسكري، لكن المؤشرات الاقتصادية والعسكرية معًا تقول إن مرحلة جديدة بدأت تتشكل.
المعارك بدأت تهدأ في عدد من الجبهات، والاقتصاد يضغط على الجميع، ومصادر التمويل أصبحت تحت رقابة وعقوبات، والدعم الخارجي نفسه أصبح أكثر تعقيدًا، بينما بدأت الأطراف تفكر في الخدمات وإعادة تشغيل المناطق باعتبارها ضرورة للبقاء.
إنها علامات على أن الحرب بدأت تصطدم بحدودها الاقتصادية.
وقد يكون هذا هو السيناريو الذي تراهن عليه واشنطن: ليس أن تأتي وتوقف الحرب بنفسها، وإنما أن تضغط على التمويل والتسليح إلى أن تصبح تكلفة استمرار الحرب أكبر من قدرة الأطراف على تحملها.
وفي النهاية، قد لا تكون نهاية الحرب السودانية نتيجة معركة عسكرية حاسمة، وإنما نتيجة تراكم الاستنزاف:
استنزاف عسكري، واستنزاف اقتصادي، وتراجع مصادر التمويل، وضغوط إقليمية ودولية، حتى تصل الأطراف إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب أصبح أكثر تكلفة من إيقافها.
وهنا تحديدًا أعتقد أن الاقتصاد بدأ يتحول من ضحية للحرب إلى عامل يمكن أن يؤثر في نهايتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.