دماء الكيماوي وأبواب الأمم المتحدة المُوصدة بوجه البرهان

محمد صالح محمد

 

 

تشهد الأزمة السودانية في مفترق طرقها الراهن منعطفات حرجة تعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي والدولي المحيط بالبلاد.

لم تعد الحرب الدائرة مجرد مواجهات عسكرية تقليدية على السلطة، بل تحولت إلى ساحة لتآكل الشرعية السياسية والأخلاقية لمؤسسات الحكم في الخرطوم. وفي هذا السياق جاء قرار تقييد أو منع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من الحضور الفعلي لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، متزامناً مع عاصفة التقارير الاستخباراتية والتحقيقات الدولية حول استخدام الجيش السوداني وكتائب “البراء بن مالك” والحركة الإسلامية (الملقبين شعبياً وسياسياً بـ “الكيزان”) لغاز الكلور كسلاح كيميائي، ليمثل ضربة قاصمة لخطابهم الإعلامي الذي طالما تغنى بـ “السيادة الوطنية”.

1. عزلة الدبلوماسية الرئاسية: عندما تغلق المنبر الأممي

إن حرمان رأس السلطة العسكرية في السودان من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يعبر فقط عن إجراء بروتوكولي، بل هو انعكاس واضح لفقدان الثقة الدولية في مشروعية الخطاب الرسمي السائد في بورتسودان والخرطوم.

فقدان العمق الدبلوماسي: لقد بات المجتمع الدولي ينظر إلى القيادة العسكرية باعتبارها طرفاً معرقلاً للسلام، وفقدت خطاباتها أي رصيد تأثيري في المحافل الدولية.

سقوط ورقة الشرعية: محاولات تسويق الحكومة الفردية في الخرطوم كـ “ممثل شرعي وحيد” اصطدمت بواقع الميدان، وبتعنت القيادة في رفض مسارات الحل السياسي الشامل مما جعل حضورها في نيويورك عبئاً دبلوماسياً لا يمكن للمجتمع الدولي تمريره بسهولة.

ارتباك الخطاب: هذا الإقصاء الأممي أحدث هلعاً وصدمة في الدوائر المحيطة بالبرهان، كاشفاً هشاشة الترتيبات الدبلوماسية وعجزها عن كسر العزلة المفروضة على السلطة القائمة.

2. شبح السلاح الكيميائي: اتهامات الكلور وطمس الأدلة

ما زاد الطين بلة، وأدخل الأزمة السودانية مرحلة التجريم الدولي المباشر هي التقارير الاستخباراتية المتطابقة (التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز وتحقيقات فضائية دولية ومنظمات حقوقية) والتي توثق استخدام الجيش السوداني والكتائب المتطرفة المتحالفة معه لمادة غاز الكلور كسلاح محرم دولياً في مناطق عمليات مختلفة مثل دارفور وكردفان ومحيط الخرطوم.

تحويل الإغاثة إلى أداة موت: تشير التحقيقات إلى حصول الجيش على مواد الكلور التي كانت مخصصة في الأصل لمحطات مياه الشرب وتطهيرها، لتتحول بقدرة القادة الميدانيين وكتائب الإسلاميين إلى براميل متفجرة وقنابل غازية تستهدف الحواضن المدنية.

جريمة طمس المعالم: لم تقتصر الإدانة على مجرد الاستخدام، بل امتدت لتكشف وثائق ورسائل داخلية مسربة عن أوامر صدرت بتنظيف القواعد وإزالة آثار وبقايا المواد الكيميائية لطمس الأدلة قبل لجان التحقيق الدولية، وهو ما يضع القيادة أمام مساءلة جنائية دولية لا تراجع عنها.

3. “بكاء البلابسة”: تناقض الخطاب وحتمية السقوط

أما عن حالة التخبط والنواح السياسي والإعلامي التي تظهرها منصات وأنصار الحركة الإسلامية والكتائب الجهادية ، فهي تعبير عن حالة الإنكار التاريخي التي تعتري هذا التيار حين يواجه الحقيقة.

لقد اعتمد هذا التيار طويلاً على استراتيجية المظلومية المصطنعة، لكن اتهامهم باستخدام الغازات السامة ضد المدنيين العزل نسف آخر أوراق التوت التي كانت تستر خطابهم الديني والوطني المزعوم.

إن صرخاتهم واحتجاجاتهم على القرارات الدولية وتقارير لجان التحقيق ليست سوى محاولة يائسة لتشتيت الانتباه عن الفضيحة الكبرى المتمثلة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترقى لمستوى استخدام أسلحة الدمار الشامل المحلي.

إن تداعيات أزمة منع البرهان من المنبر الأممي وتورط المؤسسة العسكرية تحت هيمنة “الكيزان” في استخدام غاز الكلور، تؤكد أن الأزمة السودانية قد تجاوزت مرحلة الحرب الأهلية العادية إلى مأزق الوجود الجنائي والسياسي لنظام بورتسودان الخرطوم.

لم يعد مجدياً الاختباء خلف الشعارات السيادية الزائفة، فالأدلة التقنية والتحقيقات الميدانية تضيق الخناق تدريجياً، مما ينبئ بأن انهيار هذا المشروع بات مسألة وقت ليس إلا، وسط مطالب شعبية ودولية عارمة بضرورة تقديم مرتكبي هذه الانتهاكات الجسيمة إلى العدالة الدولية الناجزة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.