من واشنطن

صباح محمد الحسن

الجريدة هذا الصباح ..
الدكتور عبد الله حمدوك: إن التحدي التاريخي أمام السودانيين يتمثل في أنهم يقفون الآن على مفترق طرق: إما استمرار الحرب والانزلاق نحو التفكك والانهيار، وإما اغتنام الفرصة التاريخية لبناء سلام مستدام.

 

 

طيف أول:
أن يعثر إحساسنا بالوطن على بعضه صدفة، دون تأهّب للحظة، غير متأنّقين، ويسقط كل ظلٍّ على الآخر،
فكيف نمرّ دون أن نحتفي به!!

وفي لحظة خفت فيها الصوت الداعم للحرب دوليًا، بسبب التطويق الجديد الذي فرضته واشنطن على السلطة الانقلابية وتراجع حضورها في المنابر الخارجية، وفشل دبلوماسيتها التي ما زالت “متفاجئة” وحائرة بين حرمان قيادتها من دخول أمريكا وبين عدم” استرجاع الجواز”
علت أمس هتافات ثورة ديسمبر المجيدة: حرية، سلام، وعدالة التي أرعبت الفلول الذين فشلوا في اقتحام الندوة اوتخريبها ، فاستعادة هذا الصوت المدني لمكانه الطبيعي أمر مرعب للغاية على خصوم الثورة والتغيير.
وكأن القدر أراد أن يكتب هذا الغياب العسكري بظلامه وظلمه هناك، لتتجلّى ديسمبر كبدر مكتمل التمام ليلة أمس في سماء واشنطن، في حضور مميّز ومختلف. فقد قدّمت القوى المدنية روايتها للخارج والداخل، والتي تقوم على السلام لا على السلاح، وعلى إعادة بناء الدولة لا على إعادة إنتاج الأزمة.
وفي رأيي، وفّقت اللجنة المنظمة في واشنطن في إقامة ندوة ناجحة من حيث الخطاب السياسي والمضمون ومن حيث الحضور والتأمين .
وتحدث الدكتور عبد الله حمدوك، مؤكّدًا على أهميةمبادرة الرباعية ودورها في حلّ الأزمة، واصفًا إياها بأنها من أكثر المبادرات انسجامًا مع رؤية القوى المدنية، خاصة أنها استبعدت من خربوا الحياة السياسية لثلاثين عامًا، وشدّدت على ضرورة بناء جيش واحد وطني ومهني، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي. كما أكد أهمية التنسيق بين الرباعية والخماسية، باعتبار أن الأخيرة تضم المنظمات الإقليمية.
وأضاف أن القوى المدنية تسعى للتواصل مع جميع القوى المدنية، وبدأت ذلك عبر “قوى إعلان المبادئ”، التي تقوم رؤيتها على إنهاء الحرب، وتقديم خدمة إنسانية عاجلة، ومعالجة جذور الأزمة.
وأوضح حمدوك أن هناك فرقًا جوهريًا بين وقف الحرب وإنهائها؛ فوقف الحرب إجراء مؤقت، أما إنهاؤها فيعني معالجة الأسباب العميقة التي أدت إليها. وأشار إلى ضرورة فتح مسار إنساني عبر خطوط القتال، وأن المسار السياسي هو الطريق الوحيد الممكن، مؤكّدًا أنه لا وجود لحل عسكري للأزمة. وأضاف أن التحدي التاريخي أمام السودانيين يتمثل في أنهم يقفون على مفترق طرق: إما استمرار الحرب والانزلاق نحو التفكك والانهيار، وإما اغتنام الفرصة التاريخية لبناء سلام مستدام.
وطرح مقترحًا سودانيًا من واشنطن يتضمن أربع نقاط: إنشاء شبكة للسلام في العاصمة الأمريكية،
وإطلاق حملة لمخاطبة الكونغرس ، وإنشاء صندوق للمبادرات الإنسانية وتصميم قاعدة بيانات للخبراء من مختلف أطياف المجتمع.
وذكّر حمدوك السودانيين في واشنطن بحراكهم وتظاهراتهم في الأيام الأخيرة قبل سقوط البشير، قائلاً إن هذا النشاط يمكن إحياؤه من جديد لخدمة القضية الوطنية.
من جانبه، خاطب عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة تحرير السودان، الندوة عبر تقنية الزوم، مؤكّدًا أن هدف قوى إعلان المبادئ هو وقف الحرب ووقف المجازر التي بدأها العسكريون منذ مجزرة فض الاعتصام وما زالوا يرتكبونها لفرض حكمهم العسكري، ذلك الحكم الذي سيطر على السودان ستين عامًا ولم ينتج سوى القتل والدمار.
واستغرب نور أن العسكريين والإسلاميين الذين قسّموا السودان وقتلوا شعبه ما زالوا يواصلون دمارهم ويفاخرون بذلك.
أما الأستاذ بابكر فيصل القيادي بصمود ، شدّد على ضرورة العمل السياسي الجماعي القائم على التحالفات لا على الأحزاب منفردة، رافضًا التقليل من دور الأحزاب في هذه المرحلة، مشيرًا إلى أنها كانت وما زالت تُحارَب بالاعتقالات والتصفية الجسدية. وأكد أن القوى المدنية والثورية هزمت الانقلاب عبر الشارع، وأن العمل الآن يجب أن يكون سياسيًا عبر التحالفات، فالساحة السياسية واسعة، وأدواتها الكلمة والدبلوماسية والتواصل مع المجتمع الدولي.
وتحدث الدكتور بكري الجاك، الناطق الرسمي لصمود، قائلاً إن القضية السودانية تحظى الآن باهتمام كبير في الدوائر والمنصات الدولية، وإن السودان حاضر بقوة غير مسبوقة؛ فبعد أن كانت القضيتان الفلسطينية والأوكرانية تتصدران الاهتمام العالمي، أصبحت القضية السودانية اليوم في قلب المشهد الدولي. وفي رده على سؤال حول فصل الدين عن الدولة، قلّل الجاك من هذه الجدلية واعتبرها نتاجًا لخطاب “الكيزان”، الذين لم يحكموا البلاد بالإسلام، بل قتلوا ونهبوا باسمه.
وكانت المرأة حاضرة بقضاياها؛ إذ أشادت سعاد مصطفى، بالمرأة السودانية التي قالت إنها من أكثر الفئات تضررًا من الحرب، وإن صوتها يجب أن يكون حاضرًا في كل مسار سياسي. وقدمت إجابة أنيقة حين قالت إن البعض يسألون دائمًا: “أنتم جايين بصفتكم منو؟”
ونحن نقول: “جينا بصفتنا سودانيين، جينا نحكي همّنا ونناقش معكم كيف توقف الحرب في السودان”.
فلقد أعادت هذه الندوة تسليط الضوء على القضية السودانية، واستطاعت القوى المدنية ملء الفراغ بخطاب مختلف، خطاب السلام الذي يقدّم السودان كقضية إنسانية وسياسية تستحق الإصغاء، لا كملف أمني يُدار خلف الأبواب المغلقة.
إن حضور القوى المدنية في قلب العاصمة الأمريكية يعيد ترتيب المشهد الخارجي؛ فهو يذكّر المؤسسات الدولية بأن السودان ليس مجرد ساحة صراع، بل وطن يبحث عن سلام، وعن دولة تُبنى على التوافق لا على القهر. وفي عالم تتنافس فيه الأزمات على الاهتمام، فإن أي فعل يعيد السودان إلى دائرة الضوء هو خطوة في اتجاه صحيح، خطوة تقول إن الصوت المدني قادر على أن يرفع رأسه، وأن يفرض روايته، وأن يعيد تعريف ما يعنيه أن يكون للسودان صوت في الخارج… صوت لا يأتي من فوهة البندقية، بل من إرادة الناس في الحياة.
طيف أخير:
#لا_للحرب
مسؤول أفريقي رفيع سيقوم بزيارة السودان خلال الأسبوع الثاني من أكتوبر، في مهمة تتعلق بـ الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.
فهل الأمر مجرد زيارة أم ماذا هناك!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.