لماذا فشلت النخب النيلية في بناء دولة المواطنة والعقد الإجتماعي ؟ (١ – ٤)
الجاك محمود أحمد الجاك
ما زالت تصر قوى المركز على تبني سردية تختزل مشكلة السودان في الحركة الإسلامية، وكأن المشكلة قد بدأت مع ظهور جماعة الأخوان المسلمين وإستيلاءها على السلطة في ٣٠ يونيو ١٩٨٩. وظل يشكل شعار إسقاط النظام السقف السياسي للإنتفاضات الشعبية منذ ٢١ أكتوبر ١٩٦٤. تسقط حكومات، وتنهار دكتاتوريات ويظل السودان القديم باق وقادر على إعادة إنتاج نفسه وإعادة تدوير أعضاء النادي السياسي القديم بواجهاتهم السياسية والعسكرية والمدنية. فالأمر لا يعدو كونه مسرحية سياسية متقنة يتم فيها توزيع وتبادل الأدوار بإحترافية. فقد يختفي ويتوارى من المشهد تكتيكيا بعض الآباء من الحرس الأيديولوجي وسدنة السودان القديم ليديروا اللعبة السياسية كلها من خلف الكواليس ليظهر في الواجهة أبناء السودان القديم. هكذا ظلت تفشل الإنتفاضات الشعبية منذ أكتوبر ١٩٦٤، مارس – أبريل ١٩٨٥ وديسمبر ٢٠١٨ في تحقيق تطلعات الشارع السوداني في إحداث التغيير الجذري الذي يمكن أن يحل مشكلة السودان، والسبب في ذلك بسيط وواضح، وهو أن جميع هذه الإنتفاضات ظلت ترفع شعارات براقة، لكنها زائفة وغير صادقة. ولأن قوى السودان القديم ظلت ترفض بوعي مصلحي المساس ببنية الدولة القديمة والبنية التاريخية التي أنتجت الإستبداد، والتهميش، والحروب وجماعة الإسلام السياسي، وقادت إلى إنفصال جنوب السودان، وهي الجماعة الأكثر راديكالية ووحشية التي أصبحت تشكل بفكره الوافد والعابر للحدود خطرا وجوديا على السودان. تنتهي عادة أهداف وشعارات تلك الإنتفاضات المسماة بالشعبية منذ العام ١٩٦٤ إلى صراع حول المقاعد، ومحاصصة على السلطة بين أعضاء النادي السياسي القديم. حكومات إنتقالية تعقبها ديمقراطيات زائفة، والنتيجة دكتاتوريات مدنية بلا برنامج ومشروع وطني حقيقي، ثم إنسداد في الأفق السياسي ليعود إلى المشهد سيناريو الإنقلابات العسكرية. ستون عاما من عمر الإستقلال البالغ سبعين سنة هي فترة حكم العسكر في السودان، وبالطبع وراء كل إنقلاب عسكري يقف حزب سياسي من أحزاب المركز، فقد تورطت في تدبير ودعم الإنقلابات العسكرية قوى اليمين وقوى اليسار على حد سواء. بدأت هذه المسرحية بعد عامين فقط من إعلان الإستقلال بإنقلاب الفريق إبراهيم عبود (١٩٥٨ – ١٩٦٤) الذي تم بترتيب مسبق من رئيس وزراء الحكومة المدنية عبدالله خليل مع القيادة العسكرية وقتها (إبراهيم عبود وأحمد عبدالوهاب) لتسليم السلطة للجيش. هكذا ظلت تدير الجماعة المسيطرة البلاد: (إنتفاضة شعبية تعقبها دكتاتورية مدنية، ثم إنقلاب عسكري بتدبير من أحد الأحزاب السياسية)، وهكذا تصر الجماعة التي إحترفت لعبة الكراسي على الدوران في هذه الحلقة، فلا بواكي على الوطن الذي يتداعى وينهار، ولا جديد يذكر، فالجماعة هي الجماعة.
ليس صحيحا أن مشكلة السودان بدأت مع إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، فقد ظل السودان القديم، أي دولة ما بعد الإستعمار دولة فاشلة، ودولة منتجة للتهميش والحروب والأزمات منذ ما يسمى بالإستقلال. ويعود السبب في ذلك إلى فشل الآباء المؤسسين في إنجاز مهام البناء الوطني، وفشل النخب السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد خلال سبعين عاما من عمر الإستقلال في الإجابة على الأسئلة الدستورية والتأسيسية. فللحقيقة والتاريخ تكمن مشكلة السودان في عقلية النخبة السياسية والثقافية المهيمنة التي ورثت دولة ما بعد الإستعمار، وفي تحول تصورات الجماعة المسيطرة عبر السيرورة التاريخية إلى أيديولوجية تبنتها الدولة رسميا وقامت بفرضها، فأصبحت بذلك الدولة أو الحزب الحاكم – أيا كان هذا الحزب هو صاحب الحقيقة السياسية والدينية المطلقة. قادت هذه العقلية إلى إحتكار الجلابة كأقلية حاكمة لتعريف الدولة، وإلى الفشل ف إدارة التنوع، وبالتالي إقصاء الآخر العرقي والثقافي والديني. فهذه العقلية هي التي أوصلت الأوضاع في البلاد إلى مرحلة إنسداد الأفق، وجعلت المشهد السياسي السوداني يحكي قصة وطن يتداعى ويحتضر. وللمفارقة، مازالت تدعي هذه العقلية إمتلاك الحقيقة المطلقة، وأحقيتها في إحتكار تعريف مشكلة السودان وإحتكار تحديد الوصفة العلاجية للمشكلة.
سؤال مهم: من هم الجلابة؟
مع الوضع في الإعتبار أن مصطلح الجلابة الوارد في مقدمة ومتن هذا المقال من أكثر المصطلحات حساسية في النقاش السياسي السوداني المعاصر، فقد رأيت ضرورة تفكيك هذا المصطلح الذي بات جزءا من القاموس السياسي السوداني، وذلك لعلاقته بتاريخ هذه الجماعة التي شكلت الطبقة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المسيطرة، والمستفيدة حاليا من الدولة المركزية في السودان بإعتبارها الجماعة التي ساهمت في تشكيل التصورات التي صارت لاحقا جزءا من بنية الدولة، وهي الجماعة المسئؤولة عن فرض الهوية الأحادية الإقصائية كهوية وطنية رسمية للدولة. ولأن ملايين السودانيين راحوا ضحية لعنصرية ووحشية هذه الجماعة، وما تزال الأغلبية متضررة من سياساتها وتوجهاتها، كان لا بد من الكتابة عن هذه الجماعة التي أثرت على تاريخ السودان الحديث. هنا تبقى الأسئلة المشروعة مرة أخرى:
من هم الجلابة؟ متى وكيف تشكلت هذه المجموعة؟ كيف إمتلكت مصادر القوة، وكيف سيطرت على السودان؟
لا يشير مصطلح الجلابة بالضرورة إلى إثنية أو قبيلة بعينها كما يعتقد البعض، إذ يرتبط المصطلح لغويا بالفعل (جلب)، أي البيع والشراء وجلب السلع. وقديما كان يستخدم المصطلح لوصف التجار المسافرين في قوافل تجارية. ففي كتاب طبقات ود ضيف الله يظهر مصطلح الجلابة للدلالة على جماعة التجار الذين كانوا يجلبون السلع وينقلونها من مكان إلى آخر عبر القوافل التجارية. هذا يعني أن الجلابة كانوا موجودين في السودان قبل الإستعمار التركي المصري، وهناك أدلة على وجود جماعات تجارية تحمل هذا الإسم في عهد مملكة الفونج. فالجلابة تاريخيا كانوا خليط من التجار المحليين والتجار الأجانب الذين إمتهنوا تجارة الرقيق وتجارة السلع الأخرى كالملح والصمغ والمواشي والجلود والعاج والذهب وريش النعام. كان أغلب التجار المحليين مجموعات نوبية مستعربة، ومجموعات نهرية أخرى. أما التجار الأجانب فكانوا مصريين، سوريين ولبنانيين، أي (شاميين)، أتراك، أغاريق وغيرهم من الجنسيات الوافدة التي دخلت السودان عبر الغزو التركي في عهد محمد علي باشا والي مصر. ومما يجدر ذكره أن تجارة الرقيق وإمتلاك الإنسان كانا جزءا من إقتصاد وثقافة هذه الجماعة، خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالرغم من الإسلام، وبالرغم من المهدية. فالعبودية والرق كانا موجودين وممارسين خلال المهدية (١٨٨٥ – ١٨٩٨) حيث كان الرق مؤسسة إجتماعية وإقتصادية قائمة بالفعل في المهدية، وكان العبيد يستخدمون في الزراعة والرعي والخدمة المنزلية، كما أستخدم بعضهم في المجال العسكري. وكانت توجد أسواق لتجارة الرقيق في المدينة. وقد شهد السودان تاريخيا أشكالا من الدعارة المرتبطة بالرق والإقتصاد التجاري شارك في الإستفادة منها كمصدر للدخل بعض النخب وملاك العبيد والتجار وأصحاب النفوذ. ويعد الزبير منصور رحمة المشهور بالزبير باشا والذي ينتسب إلى قبيلة الجعليين نموذجا بارزا للجلابي النخاس (تاجر الرقيق) في القرن التاسع عشر. تحول الزبير باشا إلى رجل أعمال مسلح، وصاحب أكبر شبكة لتجارة الرقيق، فأسس إمارة شبه مستقلة في بحر الغزال كانت رئاستها في ديم الزبير، ثم أصبح حاكما لبحر االغزال في ظل الإدارة المصرية. للحقيقة يشكل التاريخ عنصرا أساسيا في تكوين تصور المواطن عن وطنه، ولذلك يجب أن يكتب بصورة موضوعية، وتدريسه بإنتصاراته وإنجازاته وإخفاقاته، وليس على النحو الذي تم تلقيننا إياه في المنهج الدراسي الرسمي الذي صور لنا الزبير باشا كشخصية وطنية ورجل دين أسس مملكة إسلامية في بحر الغزال. ويعتبر تزوير التاريخ وتشويهه بصورة منهجية تفتقر للإمانة العلمية والنزاهة التربوية والأخلاقية داخل أي دولة جريمة يمكن أن تترتب عليها آثار تربوية وإجتماعية وسياسية عميقة ومدمرة قد تؤثر سلبا على الهوية الوطنية وعلى وحدة البلاد كما حدث ويحدث في السودان، لأنه عندما تكتشف الأجيال حقيقة تزوير التاريخ والروايات الكاذبة التي تم تلقينها لها تتعرض فيما بعد إلى صدمة تاريخية خطيرة. تداخلت شبكات التجارة وتعاون التجار الأجانب مع الجلابة السودانيين، فإستقر بعض التجار الأجانب وتسودنوا إجتماعيا، وإندمجوا مع مرور الوقت في المجتمع السوداني وتصاهروا عبر الزواج، ومن ثم تبنوا العربية والعادات المحلية. قادت ممارسة الرق إلى إمتلاك السلاح والرجال والعمالة المجانية وظهور الإقتصاد الريعي. ثم أدى تطور التجارة إلى تراكم الثروة وتكدس رأس المال في أيدي الجلابة، وتشكلت طبقات رأسمالية إمتلكت الأراضي والمتاجر والعقارات والشركات، فتمكنوا بذلك من إمتلاك النفوذ الإجتماعي وإمتلاك مصادر القوة التي تحولت فيما بعد إلى سلطة سياسية. نشأت وتطورت علاقات السلطة بين الجلابة والمستعمر (التركي – الإنجليزي – المصر)، الأمر الذي مكنهم من تلقي التعليم ودخول الخدمة المدنية والإرتباط بمؤسسات الدولة الحديثة وظهور طبقة من الأفندية الذين تخرجوا من كلية غردون التذكارية. وبالطبع كان من بين الجلابة رجال دين من شيوخ طرق صوفية، زعماء طوائف دينية وخريجي الأزهر ليس بسبب تدينها أو أصولها، وإنما بسبب دورها التاريخي في السياسة والإقتصاد وموقعها الطبقي، ودورها في إضفاء القداسة والشرعية الدينية للسلطة السياسية من خلال النفوذ الديني والتأثير الإجتماعي. تطور مصطلح الجلابة في السياق السياسي السوداني المعاصر وصار ذو دلالة مرتبطة بمركز الدولة والسلطة والثروة، ثم تحول المصطلح إلى مفهوم سياسي إجتماعي يشير إلى النخبة أو الطبقة المهيمنة على السلطة، والمسيطرة على الثروة ومفاصل الإقتصاد ومؤسسات الدولة في السودان. فالمصطلح مرتبط بالأقلية الحاكمة والجماعة المسيطرة المستفيدة حاليا من الدولة المركزية في السودان. ولا يشير المصطلح بالضرورة كما أوضحنا إلى إثنية أو قبيلة بعينها.
آثار الرق في السودان:
ظل الرق أحد أخطر القضايا المسكوت عنها في السودان بالرغم من وجود آثاره الإجتماعية والثقافية والإقتصادية، وإستمرار تداعياته السياسية. ومع أن ممارسة الرق حقيقة مؤلمة لا يتقبلها الضمير الإنساني الحي والوجدان السليم، إلا أنه صار جزءا من تاريخ السودان، وما تزال تمظهراته موجودة في الواقع الإجتماعي والثقافي والإقتصادي في كثير من المجتمعات السودانية. لذلك كان لا بد من الشجاعة والوضوح في تناول الرق ضمن الإطار التحليلي والتشريحي لجذور المشكلة السودانية. لقد كشفت مذكرة كرام المواطنين التي وقعت ورفعت لمدير الإستخبارات البريطانية في الخرطوم السيد تشارلز آمين ويليز في السادس من مارس ١٩٢٥ كيف ساهم الرق تاريخيا في خلق التراتبية الإجتماعية والعرقية والثقافية والإقتصادية في السودان. وقع تلك المذكرة ورفعها كل من:
١. السيد/ علي الميرغني- زعيم الختمية
٢. السيد/ عبدالرحمن المهدي – زعيم الأنصار
٣. الشريف يوسف الهندي – أحد كبار رجال الدين والزعماء السياسيين
كشفت مذكرة كرام المواطنين عن مقاومة حقيقية وجادة من النخب السياسية ورجال الدين لسياسة الإدارة البريطانية المتعلقة بمكافحة الرق وتحرير المسترقين كخطوة إتخذتها بريطانيا في إتجاه إلغاء الرق وتجارة الرقيق بهدف تفكيك مؤسسة الرق في السودان تدريجيا. وتكمن أهمية تلك المذكرة في أنها وقعت ورفعت من قبل من يمثلون قطبي النفوذ الطائفي الكبيرين في السودان آنذاك، إلى جانب الشريف يوسف الهندي. فقد جاء إعتراض أولئك السادة على منح المسترقين أوراق الحرية بحجة أنهم لا يرون ضرورة إصدارها بإعتبار أن تحرير النساء قد يعرض بعضهن إلى الإنحراف لممارسة الدعارة، وأن تحرير الرجال قد يؤدي إلى البطالة والكسل وشرب الخمر، بدلا من بقائهم في علاقات الخدمة التي كانوا جزءا منها. وقتها كان نظام العمل القائم على الرق متجذرا في البنية الإجتماعية والإقتصادية لشمال السودان. لذلك كانت مذكرة كرام المواطنين دفاعا صريحا من النخب السياسية ورجال الدين عن الرق والعبودية، وإعتراض على سياسية تحرير المسترقين. وقد عبرت المذكرة عن وعي طبقي إجتماعي شديد الإرتباط بمكانة النخبة وإمتيازاتها، وأكدت علاقة النخب التقليدية بالرق والجذور التاريخية لبعض التفاوتات الإجتماعية والإثنية والإقتصادية التي إستمرت بعد الإستقلال.
تاريخيا لم تنشأ الدولة الموجودة في السودان، أي دولة ما بعد الإستعمار نتيجة لعقد إجتماعي بين مكوناتها (شعوبها)، بل نشأت كمشروع إستعماري بدأ مع الغزو الخديوي المصري للسودان. فمصر كانت ولاية عثمانية تابعة من الناحية القانونية والسيادية للإمبراطورية العثمانية منذ عهد السلطان سليم الأول (١٥١٧)، ومعلوم أن الهدف من غزو السودان لم يكن بناء وطن يتساوى فيه السودانيون، بل كان للغزو أهداف إستعمارية صريحة وموثقة تمثلت في جلب العبيد والذهب، والسيطرة على طرق القوافل التجارية التي تربط وادي النيل بالمناطق المحلية والبحر الأحمر لتحقيق أطماع محمد علي باشا التوسعية، بالإضافة إلى القضاء على المماليك الذين فروا إلى السودان حتي لا يشكلوا تهديدا للولاية العثمانية في شمال الوادي. هذا التأسيس الخديوي هو من أنتج عقلية المركز الوكيل، نخبة نيلية صغيرة ورثت الدولة الإستعمارية ووظفتها في نهب الموارد من الأقاليم وبيع سيادة الدولة لصالح الجارة في شمال الوادي مقابل بقاء هذه النخبة في السلطة وإستمرار هيمنتها على السودان. لذلك لا تنظر مصر إلى السودان كدولة ندية، بل تعتبره أمنا مائيا ومخزون إستراتيجي للموارد والمواد الخام يجب أن يدار عبر عملاء ووكلاء في الخرطوم، وأي مشروع لسودان جديد يمتلك قراره وسيادته يمثل في العقيدة الأمنية المصرية تهديدا وجوديا لمصر. وهذا يفسر دفاع القاهرة عن بقاء السودان القديم وإستمرار هيمنة الأقلية الحاكمة التي تمثل الضامن الوحيد لإستمرار مصالح مصر الإستراتيجية
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.