سراب الشرعية ومتاهة السلطة: كيف سقط رهان البرهان في اختبار الوطن والديمقراطية؟

محمد صالح محمد

أوهام الخطاب العاطفي في زمن الخراب المحيط:
حين يتخندق رأس السلطة في أتون خطاب شعبوي مأزوم، مطلقاً عبارات من قبيل “ما دايرين تأشيرة” في محاولة بائسة لتغطية عجز سياسي ودبلوماسي مطبق، فإنه يعكس بامتياز عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها قيادة القوات المسلحة السودانية.
لم تعد الأزمة السودانية تُختزل في معارك الميدان العسكرية فحسب، بل تحولت إلى أزمة إدارة دولة ومصداقية قيادة، باتت تفتقر أبسط أدوات البصيرة السياسية. إن محاولة الهروب للأمام عبر التلويح بالشعارات السيادية الفضفاضة واستنهاض عاطفة الجماهير بلا برنامج عملي تكشف بجلاء أن الحل العسكري المرتجى والشرعية المصطنعة قد بلغا طريقاً مسدوداً لا مهرب منه.
أولاً: معركة “التأشيرة” وسقوط هيبة الدولة في فخ الرمزيات
تأتي تصريحات الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الأخيرة حول رفض التأشيرات والإذعان الخارجي لتعبر عن حالة من التخبط الدبلوماسي والعزلة الدولية المفروضة. إن إقحام “الجواز” والسفارات في الخطاب السياسي ليس سوى محاولة مفضوحة لتحويل الأنظار عن الفشل الذريع في إدارة الملف الخارجي وحماية السيادة الفعلية لا الشعارية.
حين تتحول الدولة إلى منبر للخطب الاستعراضية التي تناور بأوراق البيروقراطية وسوالم الإجراءات تتبدد هيبة المؤسسات. إن صانع القرار العسكري يعتقد واهماً أن التمنع اللفظي على المنصات يغني عن الدبلوماسية الرشيدة، غافلاً عن أن العالم لا يُدار بمنطق “الانفعال الثوري” المتأخر، وأن كرامة السودان وشعبه لا تُصان بالخطب الحماسية بينما البلاد تحترق وتتفكك أوصالها بين مخالب الحرب والنزوح واللجوء.
ثانياً: أوهام الشرعية المصطنعة: من “جمعة التفويض” إلى مسرحيات “ست الشاي”
إن البحث المستميت عن شرعية شعبية مزيفة عبر حشد “جمعة تفويض” مفقودة الأثر والدلالة، أو عبر اقتحام مناسبات وافتعال حوارات فوقية كالجلوس الهامشي مع قطاعات بسيطة كبائعات الشاي لقطف شرعية شعبية مزعومة، يثبت المنعطف العبثي الذي تدير به قيادة الجيش المشهد السياسي.
زيف الحشود الموجهة: إن جماهير التعبئة المصطنعة لا تفوض سوى استمرار الفشل، ولا تمنح صكوك غفران لسلطة عجزت عن حماية مواطنيها.
الشرعية الثورية المستلبة: إن الشرعية الحقيقية لا تُصنع بقرارات ولا تُنتزع باحتفالات باهتة أو خطب محنطة، بل تنبثق من توافق وطني حقيقي يعيد الحق لأصحابه.
سطحية المعالجات: إن محاولة مداعبة وجدان البسطاء عبر لقطات استعراضية لا تكفي لإخفاء حقيقة السقوط في اختبار إدارة الأزمة الإنسانية والاقتصادية والسياسية الطاحنة.
الشرعية في السودان اليوم ليس بجمعة تفويض تُدار من الغرف المغلقة، ولا باقتحام احتفالات أو إلقاء خطب إنشائية؛ إنها تُستمد حصراً من قدرة القيادة على وقف نزيف الدم السوداني واستعادة العملية السياسية المفضية إلى حكم مدني ديمقراطي كامل.
ثالثاً: فشل مطلق لإيقاف للحرب ولاستعادة للمسار الديمقراطي
بالجد، ودون غش للذات أو تجميل للواقع، فإن الحصيلة النهائية لسياسات الفريق أول ركن البرهان وفريقه هي فشل في فشل.
على صعيد الحرب: فشلت القيادة العسكرية في حسم المعركة عسكرياً بالسرعة المطلوبة، كما فشلت في حماية المدنيين، وتركت الملايين فريسة للتشرد واللجوء والجوع والمرض، بينما تتقاذف البلاد أجندات الميليشيات والمرتزقة.
على الصعيد المدني الديمقراطي: أجهضت القيادة الانتقال الديمقراطي بانقلاب أكتوبر 2021، ثم أنتجت هذه الحرب المدمرة لتتخذها ذريعة للتشبث بالسلطة، متراجعة عن كل التعهدات والعهود بخصوص تسليم السلطة للمدنيين.
إن الرهان على إعادة تدوير النظام القديم أو إنتاج سلطة عسكرية بمرجعية حزبية أو جهوية هو رهان خاسر وخيانة لدماء الشهداء وتضحيات ثورة ديسمبر المجيدة.
الحقيقة المرة وطريق الخلاص الوحيد :
إن السودان اليوم يقف على حافة الهاوية السحيقة، وكل يوم يمر تحت إدارة هذا العجز التام يقرب البلاد خطوة إضافية نحو التشظي الشامل. لا “تأشيرة” السفارات تُنقذ البرهان، ولا خطب الحشود وشاي المجاملات يمنحه شرعية مفقودة.
الحل الأوحد والناجز يكمن في:
الاعتراف الفوري بفشل إدارة الحرب والسياسة.
الوقف الفوري لإطلاق النار عبر مسار تفاوضي وطني جاد لا يعيد تدوير الفلول ولا يشرعن الاستبداد.
العودة السريعة والكاملة لاستعادة المسار المدني الديمقراطي الذي يقصي المؤسسة العسكرية نهائياً عن ممارسة السياسة وتجارة السلطة.
ما لم تدرك القيادة العسكرية أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب لا تخدعها الشعوبية الجوفاء، فإن مصير البلاد سيكون مزيداً من الخراب والدمار الشامل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.