إن كان العفو باباً يُفتح لمن حملوا على ظهورهم أحكاماً وملفات، ثم اتسع لمن ارتبطت أسماؤهم بوقائع ودماء وخراب، فربما آن لهذا الباب أن يتذكر أن خلفه شعباً بأكمله يقف منذ سنوات في طابور طويل، يحمل تهمته الوحيدة: أنه وُلد سودانياً. نعرف أن السياسة لها حساباتها، وأن الحرب تفرض منطقها الغريب، وأن صفقات الواقع كثيراً ما تلبس ثوب الضرورة. لكن ما يعجز المواطن عن فهمه هو أن يكون التسامح واسعاً حين يتعلق الأمر بالمتقاتلين، وضيقاً حين يتعلق الأمر بالمواطن الذي لم يحمل بندقية، وإنما حمل فاتورة الخبز والدواء والكهرباء والانهيار الاقتصادي.
يا سيد القوم، إذا كان العفو قادراً على أن يمد يده إلى من كانوا في خصومة مع الدولة، فلماذا لا تمتد هذه اليد إلى شعب أنهكته حكومة يعيش مرارة فشلها كل يوم؟ لماذا لا يكون هناك عفو سياسي عن شعبٍ لم يعد يحتمل أخطاء السلطة، ولا أخطاء الحرب، ولا أخطاء الاقتصاد؟
إن المواطن السوداني لا يطلب معجزة؛ يريد فقط أن يُعفى من حكومات تتغير أسماؤها بينما تبقى المعاناة هي الموظف الدائم في الدولة. يريد أن يُعفى من طوابير لا تنتهي، وأسعار لا تعرف الرحمة، وعملة تذوب أمام عينيه، ومستقبل صار أشبه بسؤال فلسفي لا إجابة له.
والمفارقة الساخرة أن السودان يبدو أحياناً كأنه البلد الوحيد الذي يمكن فيه أن يحصل المتخاصمون مع الدولة على فرصة جديدة، بينما لا يحصل المواطن العادي حتى على فرصة ليعيش حياته القديمة.
لذلك، يا سيادة القائد، ربما يكون أكرم أنواع العفو وأشدها أثراً أن يُعفى الشعب من فشل الإدارة، ومن اقتصاد يطحنه، ومن سياسات جعلت الحياة اليومية امتحاناً للصبر.
فالعفو الحقيقي ليس فقط أن تطلق سراح رجل من حكمٍ قضائي؛ العفو الأكبر أن تطلق شعباً كاملاً من حكم الفشل.
وإذا كان لا بد من سؤال أخير، فليكن بسيطاً وموجعاً: متى يأتي اليوم الذي يكون فيه المواطن السوداني هو أيضاً مستحقاً للعفو؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.