واشنطن.. هل توسّع عقوبات السودان لوقف الحرب؟

تيسير المبارك

 

 

لم تعد العقوبات الأمريكية على السودان مجرد أدوات لمعاقبة أفراد أو كيانات متورطة في الحرب، بل تبدو جزءاً من محاولة أوسع للضغط على الأطراف المتحاربة وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بها، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى دفع طرفي النزاع نحو هدنة إنسانية ومسار سياسي ينهي الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

وخلال عام 2026، كثّفت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتها ضد شبكات مرتبطة بالحرب. ففي فبراير، فرضت عقوبات على ثلاثة من قادة قوات الدعم السريع بسبب أدوارهم في أحداث الفاشر، ثم في أبريل استهدفت شبكة لتجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب الدعم السريع. وفي يونيو، وسّعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات شراء وتجنيد قالت الخزانة إنها تساعد على استمرار الحرب وتمويلها.

لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع العقوبات وحدها وقف الحرب؟ الإجابة العملية حتى الآن تبدو أكثر تعقيداً. منذ بداية الحرب، اتجهت السياسة الأمريكية تدريجياً نحو استهداف البنية الاقتصادية التي توفر الموارد للأطراف المتقاتلة، وليس فقط القادة العسكريين. ففي يونيو 2023، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على شركات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وقالت آنذاك إن الهدف هو قطع التدفقات المالية التي تمكّن الطرفين من دفع رواتب القوات وإعادة التسلح والإمداد ومواصلة الحرب.

وتطورت هذه المقاربة لاحقاً إلى استهداف شبكات شراء الأسلحة والتجنيد والتمويل، بما يعكس إدراكاً أمريكياً بأن استمرار الحرب لا يعتمد فقط على قرارات القادة الموجودين في الخرطوم أو دارفور، وإنما أيضاً على شبكة واسعة من الوسطاء والشركات والممولين والجهات الخارجية.

العقوبات المالية تصبح أكثر تأثيراً عندما تستهدف شبكات قادرة على الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، أو عندما تترافق مع تعاون دولي واسع يمنع التحايل عليها. أما في حرب تتداخل فيها التجارة غير الرسمية، وتهريب الموارد، وشبكات السلاح العابرة للحدود، فإن العقوبات قد تزيد تكلفة الحرب من دون أن توقف قدرتها على الاستمرار. ولهذا يبدو أن واشنطن تتحرك باتجاه الجمع بين العقوبات والضغط الدبلوماسي والتهديد بتوسيع نطاق القيود على السلاح.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذا الضغط لم يعد موجهاً فقط إلى قيادات الدعم السريع. ففي سبتمبر، ارتبطت أزمة مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقف أمريكي يدفع باتجاه قبول هدنة لمدة 90 يوماً، بينما طرحت واشنطن أيضاً توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان. اللافت في الموقف الأمريكي الأخير أن واشنطن تحاول تقديم نفسها كطرف يضغط على طرفي الحرب، لا كجهة تمنح شيكاً سياسياً مفتوحاً لأي منهما.

ففي سبتمبر 2026، قال متحدث باسم الخارجية الأمريكية إن أياً من الطرفين المتحاربين لا يمثل حكومة شرعية للسودان، في موقف أثار رفضاً قوياً من السلطات السودانية التي اعتبرت ذلك مساساً بسيادة البلاد ومؤسساتها. هذه النقطة مهمة، لأن العقوبات إذا ظلت تستهدف طرفاً واحداً فقط قد تُقرأ باعتبارها انحيازاً سياسياً، بينما استهداف مصادر تمويل وتسليح الحرب لدى جميع الأطراف يمكن أن يخلق ضغطاً أكثر اتساقاً على الطرفين للجلوس إلى طاولة التفاوض.

يبقى العامل الأكثر تعقيداً هو الدعم الخارجي. فالحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً؛ إذ تشير التقارير الدولية إلى تدفق السلاح والتمويل والدعم اللوجستي عبر الحدود. وأشارت تقارير أممية حديثة إلى أن الدعم الخارجي بالسلاح والإمدادات ساهم في استمرار القدرة العسكرية للأطراف المتحاربة. ومن هنا، فإن توسيع العقوبات الأمريكية على شخصيات سودانية فقط قد لا يكون كافياً. التأثير الأكبر يمكن أن يأتي من استهداف الشبكات التي تنقل الأموال والسلاح والمعدات، والوسطاء الذين يساعدون على الالتفاف على العقوبات، والجهات التي توفر غطاءً مالياً أو تجارياً لاستمرار القتال. وهذا يعني أن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط على جبهات القتال، وإنما في المصارف والأسواق وشركات الشحن والتجارة والذهب وشبكات الوساطة المالية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.