عُدنا ولم نجد الخدمات..!!

نورا عثمان

لم تكن العودة إلى الخرطوم بالنسبة لآلاف السودانيين مجرد رحلة من معسكرات اللجوء إلى الوطن، بل كانت رهاناً على أن يجدوا وراء الحدود حياةً يمكن استئنافها: بيتاً يصلح للسكن، مدرسةً للأطفال، مستشفىً أو مركزاً صحياً، ومصدراً للدخل. لكن قصص العائدين تكشف فجوة مؤلمة بين قرار العودة وبين القدرة على الحياة بعد العودة.
يقول أحد العائدين من اللجوء: «أخبرونا أن الوضع مستقر، وأن الحياة عادت إلى الخرطوم. صدقنا ورجعنا. لكننا وجدنا البيوت مهدمة أو غير مهيأة، ولا يوجد عمل، ولا نستطيع توفير الطعام أو علاج المرضى». وفي معسكر اللجوء، ورغم قسوة الحياة، كانت أسرته تحصل على قدر من المساعدة الغذائية والرعاية الصحية. أما بعد العودة، فأصبح السؤال اليومي أكثر قسوة: من أين يأتي بالطعام؟ وكيف يدفع ثمن الدواء؟ وكيف يعيد تأهيل المنزل؟ هذه ليست قصة فرد واحد بالضرورة، بل صورة لمشكلة أوسع تواجه العائدين.
تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ملايين السودانيين عادوا بالفعل إلى مناطقهم الأصلية، فيما يواجه جزء من الأسر العائدة صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية. وفي مسح للمنظمة نُشر في 2026، قالت نحو 18% من الأسر العائدة التي احتاجت إلى الرعاية الصحية إنها لم تتمكن من الحصول على العلاج أو الرعاية المطلوبة، بينما أبلغ نحو 29% من الأسر العائدة عن مشكلات تتعلق بخدمات الصرف الصحي. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن ملايين العائدين إلى الخرطوم ومناطق أخرى يعودون إلى مدن تضررت بشدة من الحرب، حيث تعرضت الخدمات الأساسية لأضرار واسعة.
وهنا تكمن المفارقة. فالعودة إلى المدينة قد تصبح ممكنة من الناحية الأمنية في بعض المناطق، لكن العودة إلى الحياة الطبيعية تحتاج إلى شيء آخر تماماً: ماء، كهرباء، صحة، تعليم، سكن، غذاء، مواصلات، وأسواق قادرة على توفير السلع بأسعار يستطيع المواطن تحملها.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا عاد هؤلاء؟ بل: ماذا وجدوا عندما عادوا؟ من حق الدولة أن تشجع مواطنيها على العودة إلى مدنهم وقراهم، ومن الطبيعي أن يرغب اللاجئ والنازح في العودة إلى وطنه. لكن العودة المستدامة تحتاج إلى ترتيبات تتجاوز فتح الطرق وإعادة تشغيل بعض المؤسسات.
الأمم المتحدة حذرت في 2025 من أن الخرطوم ومناطق أخرى تشهد دماراً واسعاً ونقصاً مزمناً في الخدمات، ودعت إلى دعم المياه والصحة وسبل كسب العيش ومساعدة الأسر العائدة. وفي أبريل 2026، تحدثت الأمم المتحدة عن عودة نحو أربعة ملايين شخص إلى مناطقهم، لكنها وصفت واقع العائدين بأنه صراع جديد من أجل البقاء، في ظل تضرر المنازل وشبكات المياه والصحة والكهرباء. إذن، المشكلة ليست في رغبة الناس في العودة، وإنما في السؤال الأهم: هل سبقت العودةَ عمليةُ إعادة تأهيل حقيقية تسمح للناس بالعيش؟
أقسى ما في الحكاية أن العائد لا يعود وحده. يعود ومعه أطفال يحتاجون إلى الطعام والتعليم، وكبار سن يحتاجون إلى الدواء، وأحياناً مرضى يحتاجون إلى علاج مستمر. الأب الذي قضى سنوات في اللجوء قد يكون فقد مدخراته ومصدر رزقه. وقد يعود إلى منزل يحتاج إلى إصلاح، في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء والدواء بصورة تجعل إعادة بناء الحياة مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لأسرة بلا دخل. وتأتي الأزمة الاقتصادية لتزيد العبء. فقد أظهرت تقارير حديثة أن تدهور قيمة الجنيه السوداني وارتفاع أسعار السلع الأساسية يضغطان بشدة على الأسر في المناطق التي تشهد عودة للسكان. وبالتالي، فإن مطالبة العائد بأن «يبدأ من جديد» دون توفير الحد الأدنى من أدوات البداية تبدو أشبه بمطالبة شخص خرج من الحرب بأن يعيد بناء حياته بلا منزل، ولا وظيفة، ولا مال، ولا خدمات.
من الطبيعي أن تكون إعادة إعمار السودان مهمة ضخمة تتطلب سنوات وموارد كبيرة، ولا يمكن تحميل الحكومة وحدها كل تبعات حرب مدمرة. كما أن المنظمات الدولية نفسها تواجه نقصاً في التمويل. لكن ذلك لا يلغي مسؤولية المؤسسات الحكومية عن وضع العائدين في قلب سياسات التعافي. فالعائد ليس رقماً في إحصائية.
إنه إنسان قضى سنوات بعيداً عن بلده، وعندما قرر العودة فعل ذلك بناءً على أمل بأن يجد مكاناً يستطيع فيه تربية أطفاله والاعتناء بأسرته. ولهذا يجب أن تكون هناك خطة واضحة للعودة وإعادة الإدماج، تشمل السكن، والغذاء، والصحة، والتعليم، والمياه والكهرباء، وفرص العمل، مع إعطاء أولوية للأسر الأكثر هشاشة. «رجعنا للبيت.. لكن أين الحياة؟» ربما تختصر هذه العبارة مأساة العائدين. فالبيت وحده لا يكفي. الوطن ليس جدراناً فقط، ولا تنتهي مسؤولية الدولة عند استقبال المواطن العائد على الحدود. الوطن الذي يعود إليه الإنسان يحتاج أن يمنحه فرصة للحياة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.