مناوي ورهانات البقاء على حساب الوطن!!

أشرف عبدالعزيز

​تتجلى الحقيقة الناصعة في تاريخ الأزمات السودانية في أن أخطر الانتهازيين ليسوا أولئك الذين يرفعون السلاح جهاراً، بل أولئك الذين يرتدون قناع رجل الدولة في النهار ويغذون نار الحرب في الليل.
يطل علينا مني أركو مناوي في لقائه الأخير مع المبعوث الأممي بيكا هافيستو بجرعة جديدة من المزايدة السياسية والخطاب المزدوج، محاولاً رسم صورة للذات باعتباره الحامي الأمين لوحدة السودان والمدافع الصلب عن مؤسسات الدولة. غير أن تفكيك خطابه الأخير يوضح بلا أصل ولا تدليس أننا أمام حالة نموذجية للمناور الذي يستخدم دماء السودانيين وآلام المهجرين ورقة ضغط في بازار التفاوض، بغرض وحيد ومكشوف هو ضمان بقائه على كرسي حاكم دارفور وتأمين حصته في أي كعكة سلطوية قادمة.
​إن الاشتراطات التعجيزية التي يطرحها مناوي للهدنة وإيقاف القتال لا تنبع من حرص حقيقي على المدنيين، بقدر ما هي محاولة متعمدة للتعطيل ولغرس الأشواك في طريق أي تسوية دولية أو إقليمية جادة.
يعلم مناوي قبل غيره أن النزاع الحاضر يتطلب إرادة سياسية لحقن الدماء وإنهاء الحرب فوراً عبر وقف شامل للعمليات القتالية وفتح الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط، لكنه يستمسك بشروط يستحيل تحقيقها إجرائياً خارج إطار عملية سياسية شاملة، متخذاً منها ذريعة لإطالة أمد الحرب التي يقتاد منها وجوده السياسي.
إن الحديث عن الحرص على عودة النازحين واللاجئين يبدو مزحة سوداء حين يصدر عن رجل يشارك بوضوح في تحشيد الخطاب الحربي، ويحرض على استمرار القتال، بل ويغرق في التحالفات العسكرية التي أحالت إقليم دارفور إلى ساحة للموت والدمار ومقبرة لأحلام وأرواح أكثر من ثمانية ملايين مهجر وملايين الآمنين.
​والأدهى من ذلك هو التناقض الصارخ بين تحذيرات مناوي المنتفخة من “تقسيم السودان” أو “إنشاء حكومات موازية”، وبين ممارساته العملية التي تدفع البلاد نحو هذا المصير المحتوم.
إن التحذير من التقسيم ممن يسهم في تسعير الحرب ورفض الحلول السلمية والتنصل من المسار السياسي الموحد ليس سوى ذر للرماد في العيون. فالتقسيم لا ينشأ فقط من الاتفاقات السياسية، بل يتخلق من تمزيق النسيج الاجتماعي وإطالة أمد الصراع، وهي النتيجة المباشرة لسياسات التحريض والاصطفاف العسكري التي يمارسها مناوي وطغمته. إن تبكيه على تمثيل السلطة في المحافل الدولية وغياب البرهان عن الأمم المتحدة يكشف أولويات الرجل، فهو لا يحترق لدمار الخرطوم أو نياحة أمهات الفاشر، بل تشغله شرعية الكراسي والتمثيل الدبلوماسي لسلطة الأمر الواقع، بما يضمن استمراره حاكماً مطلقاً على دارفور تحت مظلة مؤسسات متهالكة.
​مقابل هذا السلوك الحربي الملتوي، تقف القوى المدنية والمحيط الوطني المناهض للحرب على أرضية صلبة وتطرح رؤية أخلاقية وسياسية متماسكة، أثبتت لقاءاتها مع المبعوث الأممي في القاهرة وغيرها أن الطريق الوحيد لخلاص السودان لا يمر عبر خنادق السلاح ولا من خلال اشتراطات المناورين.
تدرك القوى المدنية الحقيقية أن الأولوية المطلقة هي للوقف الفوري والشامل للحرب، وتسهيل التدفق غير المشروط للمساعدات، وإطلاق عملية سياسية مدنية تؤسس لدولة المواطنة والجيش المهني الموحد، وتنهي حالة التجييش وأمراء الحرب الذين بات مناوي أبرز وجوههم.
إن محاولة تصوير الحرب كمعركة لحماية “الدولة” هي أكذوبة يرفضها العقل والواقع؛ إذ لا يوجد مفهوم للدولة يقتضي إبادة أفراد شعبها وتشريدهم لتثبيت حاكم في منصبه. لقد سقطت الأقنعة، وبات واضحاً للشعب السوداني أن مناوي لا يخشى تقسيم البلاد بقدر ما يخشى السلام الذي يجرده من السلاح والشرعية الزائفة، وأن استمراره في اللعب على حبال الحرب لن ينتج سوى المزيد من التفتت الذي يزعم محاربته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.