حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة: بالبصيرة وليس بالبصارة

د. الحسن النذير

معلوم بأن البند رقم 11 في اتفاقية المقر للأمم المتحدة، هو الأهم فيما يتعلق بتحديد الإلتزامات القانونية لدولة المقر (الولايات المتحدة الأمريكية)، بخصوص طريقة الوصول إلي مقر المنظمة الأممية بنيويورك. وينص هذا البند علي: (عدم جواز فرض أي عوائق أمام حركة “ممثلي الدول الأعضاء” والأشخاص المدعوين رسميا من قبل الأمم المتحدة، إلي المقر).
السؤال الرئيسى، هنا: هل يعتبر الفريق البرهان، ممثلا لدولة عضو؟
هذا سؤال مهم جدا وجوهري ولا يمكن الإجابة عليه بعفوية. في هذا الصدد، نذكر بتعليق عضوية السودان في الإتحاد الأفريقي فور الإنقلاب العسكري بقيادة الفريق البرهان في 25 أكتوبر 2021، وذلك بموجب أمر تأسيس المنظمة (54 دولة)، الذي ينص علي تعليق عضوية الدولة التي يتم فيها تغيير غير دستوري لنظام الحكم.
صحيح أن هذة الدول لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة السودان، لكنها أعلنت عدم اعترافها بالحكومة الانقلابية؛ وبديهي ان الدولة شئ والحكومة شئ آخر.
نذكر هنا، بأن الوثيقة الدستورية التي يدعي الإستناد عليها الفريق البرهان ” كرئس لمجلس السيادة”، قد مزقها هو بنفسه بشطب البنود التي تخص شرعية النظام المنقلب عليه. ولم يكتف بحل الحكومة الشرعية، بل وضع رئيسها رهن الإقامة الجبرية وبقية أعضائها في المعتقلات. وفي نفس الوقت قام باطلاق سراح وحماية مجرمي النظام البائد، المطلوبين للعدالة المحلية والدولية، في قضايا متعلقة بالإنقلاب العسكري عام 1989 علي النظام المنتخب ديمقراطيا، عام 1986، والضلوع في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة في إقليم دارفور!! ونذكر هنا، بأن هؤلاء، (والفريق البرهان نفسه) أعضاء في التنظيم المصنف إرهابيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. هذا يعطي الحق لدولة المقر، إعتبار دخول أي من أعضاء هذا التنظيم مهددا أمنيا لها، ولذلك لا تعتبر منع الفريق البرهان من تأشيرة الدخول، خرقا لإتفاقية المقر. وفي البند 11 من إتفاقية المقر نص واضح حول حصانة المقر: “يعتبر مقر الأمم المتحدة خاضعاً لسلطة ونكايسة الأمم المتحدة، مع بقاء القوانين الأمريكية سارية فيه ما لم تتعارض مع لوائح وقرارات المنظمة.” وبديهي أن هذا النص، يعطي الولايات المتحدة الحق في منع من تصنفهم إرهابيين، من دخول أراضيها، دون المساس بحصانة مقر الأمم المتحدة.
بالإضافة إلي دول الإتحاد الأفريقي ال 54، عبرت دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، إضافة إلي العديد من الدول الأخرى كالنرويج، بريطانيا، سويسرا.. ، في مؤتمر برلين حول الوضع في السودان – 15 إبريل 2026 – الذي شارك فيه نحو 120 وفداً يمثلون حكومات ومنظمات دولية وإقليمية مختلفة، عبرت عن ضرورة إيقاف الحرب والتحول الديمقراطي في السودان.
كما هو معلوم، ،في حال حدوث تغيير غير دستوري للحكم في دول خارج الاتحاد الأوروبي (خاصة الدول الشريكة أو النامية)، يسارع الاتحاد الأوروبي عادة بالتنسيق مع شركائه الدوليين لإدانة التحرك، تعليق المساعدات المالية غير الإنسانية، فرض عقوبات مستهدفة على قادة الانقلاب، والمطالبة بالعودة الفورية إلى النظام الدستوري وإجراء انتخابات حرة.
بانعقاد مؤتمر، برلين، وموقف دول الاتحاد الأفريقي، بلغ عدد الدول التي لا تعترف بالسلطة الانقلابية في السودان، أكثر من نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وبذلك، “عمليا”، هذة الدول، لا تعترف بتمثيل الفريق البرهان لدولة عضو في الأمم المتحدة. بعد كل ذلك، بأي صفة يطلب قائد الانقلاب العسكري في السودان تمثيل “دولة عضو” بموجب البند 11 من اتفاقية مقر الأمم المتحدة؟
إن الأصوات التي تتحدث عن خرق الولايات المتحدة الأمريكية لإتفاقية المقر، بمنعها دخول الفريق البرهان لأراضيها، كان الأحرى بها أن تسلط الضوء علي كارثة المجاعة التي أعلنت عنها وكالات الأمم المتحدة المتخصصه، والانتهاكات، ضد الانسانية التي قام ويقوم بها طرفا النزاع الدموي في السودان، بما في ذلك استخدام الاسلحة المحرمة دوليا.
كان الأفضل لمن “باصروا” التفسير الحرفي لبنود إتفاقية مقر الامم المتحدة، أن يتركوا هذة المهمة، لحلفاء النظام الإنقلابي، الذين تركوا تكليفهم بالتحقيق حول جريمة فض الإعتصام وتفرغوا لتفسير بنود دولة مقر الأمم المتحدة، بطريقةخالية من المنطق وخالية من الفهم الدقيق للقانون الدولي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.