هل للفشل تعريفٌ آخر؟
هل للفشل تعريفٌ آخر غير الذي نعرفه؟ ربما.. فالفشل عندنا لم يعد مجرد عجزٍ عن حل المشكلات؛ لقد تطوّر، ونال خبرةً إدارية، وأصبح مؤسسةً كاملة الأركان.
الأزمات تطحن المواطن، والغلاء يطارده، والضغوط الاقتصادية تمارس عليه رياضةً يومية اسمها «كيف تعيش بأقل مما تحتاج؟». أما الضغط المعيشي، فقد بلغ من الكفاءة حداً جعله يؤدي عمل الحكومة نيابةً عنها: يضغط، ويعصر، ويختبر قدرة المواطن على الصمود.
وفي الطرف الآخر تقف «حكومة الأمل» بكل ثقة، كأن الأمل وظيفةٌ حكومية لا علاقة لها بالواقع.
المواطن يقول: «لا أستطيع أن أعيش».
فتجيبه الحكومة: «اصبر، المستقبل مشرق».
والمشكلة أن المستقبل وحده يبدو مشرقاً؛ أما الحاضر فقد انقطعت عنه الكهرباء حتى في استعاراته.
ولأن الفشل عندنا مؤدب، لا يأتي دفعةً واحدة؛ يأتي بالتقسيط.
سلعة ترتفع، ودخل ينخفض، خدمة تتراجع، ورسوم تتكاثر، ثم يخرج علينا من يقول إن الأمور «تحت السيطرة».
نعم، تحت السيطرة تماماً… لكن يبدو أن السيطرة نفسها خرجت عن السيطرة.
المواطن لا يحتاج إلى لجنة تحقيق كي يكتشف فشل السياسات الاقتصادية. يكفي أن يذهب إلى السوق. هناك يحصل على التقرير النهائي مختوماً بالأسعار، وممهوراً بعبارة: «لا تسأل لماذا».
وما زالت مصالح الناس رهينةً لشبكة من الشركات الخاصة والحكومية، تتنافس على اقتسام كعكة الاستيراد والتوريد، بينما المواطن هو الكعكة نفسها التي يجري تقطيعها بهدوء بين الرسوم والأرباح والعمولات.
كل نافذة توريد لها حارس، وكل سلعة لها ضريبة، وكل خطوة لها فاتورة، حتى أصبح السؤال الاقتصادي الأهم ليس: «كم سعر السلعة؟» بل: «كم جهةً ربحت قبل أن تصل إليّ؟»
في الدول التي حولنا، قد تكون هناك أزمات ومشكلات وفقر وتحديات، لكن المواطن يجد على الأقل دولةً تحاول أن تجعله يعيش. أما عندنا، فيبدو أن الدولة تحاول أن تجعله يتعوّد على عدم العيش.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها:
الحكومة تتحدث عن «حياة كريمة»، والمواطن يبحث عن حياة أولاً.
تتحدث عن الإصلاح، وهو يرى الأسعار تُصلح نفسها إلى الأعلى كل صباح.
تتحدث عن الاستقرار، وهو مستقر فقط على حافة الانهيار.
تتحدث عن الأمل، والمواطن صار يخشى أن يكون الأمل سلعةً أخرى ستدخل السوق بسعرٍ لا يستطيع دفعه.
ولعل أعظم إنجاز للفشل أنه أقنعنا بأن المعاناة أمر طبيعي، وأن انتظار الحل فضيلة، وأن السؤال عن الغد ترفٌ لا يليق بمن لم ينجح في تدبير اليوم.
فوق صاج الحياة يتقلب المواطن، بينما تُدار البلاد بملاعق الكلام.
وربما كان تعريف الفشل الجديد هو هذا بالضبط:
أن تفشل في توفير الحياة، ثم تنجح في إقناع الناس بأن مجرد بقائهم على قيد الانتظار إنجاز.
أما المواطن، فقد تعلّم فلسفةً لا تُدرّس في الجامعات:
حين يصبح الصبر سياسةً عامة، يصبح الجوع معارضةً صامتة، ويصبح الأمل آخر ما تبقى من ممتلكات الفقير.
والسؤال في النهاية ليس: هل فشلت الحكومة؟
بل: كم يلزم من الفشل حتى يصبح الفشل نفسه إنجازاً يُحتفل به؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.