تتصاعد في الآونة الأخيرة الدعوات والتصريحات الصادرة عن حكومة بورتسودان والتي تحث المواطنين واللاجئين الفارين من أتون الحرب على “العودة الطوعية” إلى العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات. غير أن الرصد الميداني لواقع الأسواق والخدمات يظهر بوضوح أن هذه الدعوات تصطدم بانهيار اقتصادي مريع، وشلل شبه تام في الشرايين المعيشية الأساسية، مما يضع العائدين أمام مواجهة مباشرة مع الجوع وانعدام مقومات الحياة.
أسواق مشلولة وانهيار غير مسبوق للعملة
تشهد المدن والمناطق المعنية بالعودة حالة من التجمد والركود الاقتصادي القاسي، حيث يُسجل الجنيه السوداني تراجعات حادة متتالية أمام العملات الأجنبية. هذا التدهور السريع انعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية التموينية التي قفزت إلى مستويات قياسية تجعل الحصول على القوت اليومي أمراً يعجز عنه غالبية المواطنين.
وفي استطلاع أجرته منصة عين الحقيقة لمجريات الأحداث في الخرطوم وولايات متفرقة، أبدى تجار ومتعاملون مخاوفهم من الشلل التام الذي يضرب حركة البيع والشراء جراء انعدام السيولة النقدية وضآلة القدرة الشرائية للسكان.
غياب الخدمات الصحية والتعليمية: عبء إضافي على العائدين
لا تقتصر المعاناة على ارتفاع الأسعار وقوت اليوم فحسب، بل تمتد إلى الشلل المرفقي الحاد الذي يضرب الخدمات التشغيلية الأساسية: القطاع الصحي: تعاني المرافق الصحية والمستشفيات المتبقية من نقص حاد في الأدوية والكوادر والمستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، مما يجعل الحصول على جرعة علاج أو رعاية صحية طارئة أمراً شبه مستحيل. القطاع التعليمي: تفتقر معظم المدارس للجاهزية والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى استمرار استخدام العديد منها كمراكز إيواء مؤقتة، مما يحرم الأطفال والطلاب العائدين من حقهم الأساسي في مواصلة تعليمهم. الكهرباء والمياه: يواجه العائدون انقطاعات ممتدة للتيار الكهربائي وشحاً في إمدادات المياه الصالحة للشرب، ناهيك عن تدهور بيئي يضاعف من المخاطر الصحية.
في تصريح خاص لمنصة عين الحقيقة، أكد د. أحمد الهادي، الباحث والمحلل الاقتصادي، أن الدعوة للعودة في الظروف الحالية تمثل مجازفة اقتصادية غير محسوبة المخاطر، موضحاً: “إن الحديث عن عودة طوعية في ظل الانخفاض المتسارع للقوة الشرائية وجمود الأنشطة الإنتاجية هو وضع للفرس أمام العربة. الاقتصاد المحلي في المدن المستهدفة لا يمتلك أي مرونة لاستيعاب تدفقات جديدة من المواطنين دون خطة ضخ سيولة وتقديم دعم مباشر للسلع وتهيئة المرافق. المواطن الذي يعود دون مصدر دخل ثابت يجد نفسه فوراً في دائر الفقر المتقع.”
من جانبها، أشارت د. العازة عيسى، خبيرة إدارة الأزمات والسياسات العامة، في حديثها لـ عين الحقيقة إلى الأبعاد الإنسانية لهذه القرارات: “إن العودة المستدامة تتطلب بالضرورة الحد الأدنى من الأمان الخدمي والإنساني؛ وفي مقدمة ذلك توفر المستشفيات والمدارس وضمان الإمداد المائي والكهربائي. الدفع بالأسر للعودة من المعسكرات إلى منازل تفتقر للخدمات الأساسية هو مجرد نقل للمواطن من معاناة النزوح إلى معاناة أعمق داخل دياره، ما يتطلب أولاً الشروع في خطة تعافي وإصلاح للبنية التحتية قبل دعوة السكان للعودة.”
الفجوة الشاسعة بين خطاب العودة الذي تروج له الجهات الحكومية في بورتسودان وبين الحقائق القاسية على الأرض تؤكد أن أي برنامج للعودة الطوعية لن كتب له النجاح أو الاستقرار ما لم يُسبق بإيقاف شامل للحرب، وتأمين البنية التحتية، وإعادة بناء القطاعات الصحية والتعليمية، مع إنعاش القوة الشرائية وتوفير سبل العيش الكريم للسكان.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.