ثلاثون عامًا من الخراب.. والعلاج خارج السودان لا يمحو استحقاق العدالة

✍️صفاء الزين

 

 

بعد ثلاثين عامًا من حكم السودان باسم «الإنقاذ» و«المشروع الحضاري»، يعود عمر البشير إلى المشهد من بوابة العلاج خارج البلاد. فالرجل الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، وقدّم نفسه وحركته باعتبارهما مشروعًا لإنقاذ السودان، ترك خلفه دولة أكثر انقسامًا، وأكثر حروبًا، وأكثر هشاشة.

 

ثلاثون عامًا كانت كافية لكشف حقيقة المشروع الإسلاموي في السودان، فقد تحولت الدولة إلى مجال للتمكين السياسي، وأُضعفت مؤسساتها لصالح التنظيم، وتوسعت الأجهزة الأمنية، وتحولت السلطة إلى بنية مغلقة ترفض الاختلاف. ومع عجز المشروع عن إدارة التنوع السوداني سياسيًا، اتجه إلى القوة.

 

دفع جنوب السودان الثمن الأكبر، عبر حرب طويلة وانتهاكات واسعة وسياسات عمّقت القطيعة بين المركز والجنوب، وانتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011. ثم جاءت دارفور لتكشف الوجه الأكثر دموية للنظام، إذ أسهم القتل والتشريد والاغتصاب وحرق القرى في دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار أوامر قبض بحق البشير، على خلفية اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وامتدت الحرب في عهده إلى جبال النوبة والنيل الأزرق، لتصبح مناطق واسعة من السودان مسرحًا لصراع الدولة مع مواطنيها.

 

هذه هي حصيلة المشروع الذي تحدث عن بناء الدولة وحماية السودان؛ دولة فقدت جزءًا من أراضيها، ثم دخلت في حروب جديدة، وتركت ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء.

 

ولهذا، فإن محاولة تقديم البشير اليوم رمزًا للاستقرار، أو رجل دولة تعرض للظلم السياسي، تمثل إعادة كتابة للتاريخ. فالبشير مسؤول عن نظام حكم امتد ثلاثة عقود، وعن سياسات وحروب وانتهاكات ارتبطت بعهده. وكونه مريضًا لا يحول دون علاجه، ولا يسقط حق الضحايا في العدالة، ولا يلغي أوامر المحكمة الجنائية الدولية.

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند البشير.

 

يمثل عبد الفتاح البرهان وسلطة بورتسودان استمرارًا لأزمة الحكم العسكري التي أعادت إنتاج نفسها منذ سقوط البشير، فالمؤسسة العسكرية التي أسقطت النظام السابق لم تنقل السودان إلى دولة مدنية مستقرة، وانتهى المسار إلى انقلاب، ثم إلى حرب مدمرة أعادت الدولة إلى نقطة أكثر خطورة.

 

لا يستطيع البرهان تقديم نفسه باعتباره قطيعة مع الماضي، وهو يقود سلطة عسكرية في بلد ما زالت بنية الدولة فيه أسيرة الصراع على السلطة والسلاح. كما لا تستطيع سلطة بورتسودان الحديث عن بناء الدولة، وهي تتعامل مع السياسة بعقلية الحرب، وتقدم بقاء السلطة العسكرية باعتباره طريق الخلاص.

 

المفارقة أن السودان خرج من ثلاثين عامًا من حكم البشير ليجد نفسه أمام سلطة عسكرية جديدة تقوده إلى حرب أخرى. تغيرت الوجوه، وبقيت أزمة العلاقة بين السلاح والسياسة والدولة.

 

أما الحركة الإسلاموية التي تحاول استعادة حضورها عبر الحرب، فهي مطالبة بمواجهة حصيلة مشروعها نفسه، فلا يمكن فصلها عن ثلاثين عامًا من الحكم، ولا يمكن تقديمها باعتبارها قوة إنقاذ بعدما ارتبط مشروعها بتمكين التنظيم داخل الدولة، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وإدارة الصراعات بالقوة.

 

يريد البشير العلاج خارج السودان، فليحصل عليه وفق القانون، ثم يواجه المحكمة التي تطلبه. فالقضية هنا ليست حرمان مريض من حقه في العلاج، وإنما منع العلاج من التحول إلى طريق للهروب من العدالة.

 

أما السودان، فلا يحتاج إلى عودة البشير، ولا إلى إعادة إنتاج «المشروع الحضاري»، ولا إلى استمرار حكم العسكر باسم الدولة.

 

يحتاج السودان إلى قطيعة سياسية حقيقية مع المنظومة التي أوصلته إلى هذا الخراب.

 

ثلاثون عامًا من حكم البشير انتهت بانفصال الجنوب، وحروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وانهيار الدولة، فيما انتهى حكم البرهان بالسودان إلى حرب جديدة، وبين الاثنين ضاع الوطن.

 

آن للسودان أن يتوقف عن تغيير الوجوه، ويبدأ بتغيير قواعد الحكم نفسها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.