تتصاعد الجهود الإقليمية والدولية لإيجاد مخرج للأزمة السودانية المستفحلة، وتبرز القاهرة كمحطة بارزة لاستضافة حوار سياسي وطني يجمع شتات القوى المدنية والسياسية. ويهدف هذا الحراك الطموح، في جوهره، إلى وقف القتال، وفتح مسارات العمل الإنساني، وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية متينة.
غير أن التدقيق في تفاصيل هذا المشهد يُظهر أن قاعات التفاوض في القاهرة لم تكن بمنأى عن الخلافات العميقة والتحديات البنيوية التي طالما عاقت مسارات الحوار الوطني في السودان. وتتراوح نقاط الخلاف بين ترتيب الأولويات — هل يأتي وقف إطلاق النار أولاً أم الحوار السياسي؟ — مروراً بشمول كافة القوى دون إقصاء، وصولاً إلى آليات العدالة الانتقالية والمحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة.
إن استحضار التاريخ السياسي السوداني، وخاصة فترة حكم الإنقاذ الممتدة لثلاثة عقود، يكشف عن تجارب حوار وطني متكررة لكنها كانت محطات لإعادة إنتاج التمكين وتأزيم الوضع، بدلاً من إيجاد حلول جذرية. إن أي محاولة لحوار جديد يجب أن تتجاوز فخ “الحوار الشكلّي” الذي يخدم أجندات ضيقة، ويُستخدم كأداة لصالح طرف سياسي على حساب آخر.
إن نجاح أي حوار وطني في السودان يتطلب الالتزام بمبادئ أساسية لا تقبل المساومة، وتتجسد أهميتها في عدة نقاط محورية: إنهاء الحرب وفتح مسارات الإغاثة كأولوية قصوى: لا يمكن الحديث عن أي عملية سياسية ذات مصداقية ما دامت آلة الحرب تدور وتلتهم كل مقومات الحياة، وأي حوار يجب أن يبدأ بضمان الإيقاف الفعلي لإطلاق النار وحماية المدنيين.
تجنب تكريس الانقسام والتموضع الجهوي: إن تنظيم حوار بين مناطق أو قوى سودانية منفصلة — تحت أي ذريعة كانت — لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتفتيت اللحمة الوطنية، ويهدد وحدة البلاد ومستقبلها.
العدالة والمحاسبة شرطان أساسيان للتعافي والاستقرار: إن أي عملية سياسية لا تقود إلى العدالة الانتقالية والمحاسبة الصارمة عن الانتهاكات والجرائم المنسوبة إلى أشخاص بعينهم — والذين يجب إحالتهم فوراً إلى القضاء — لن تكون ذات جدوى، ولن تؤسس لاستقرار دائم.
استعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي الحقيقي: يجب أن يكون الهدف النهائي للحوار هو التأسيس لنظام حكم مدني مرن، يستجيب لتطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة، بعيداً عن منطق السلاح والتمكين.
إن الشعب السوداني، الذي دفع أثماناً باهظة في النزوح واللجوء وفقدان الأمن والكرامة، لن يقبل بأي حلول ترقيعية أو حوارات تعيد إنتاج الأزمات. إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع على عاتق القوى المدنية والسياسية لضمان أن يكون حوار القاهرة بداية حقيقية للخروج من نفق الحرب المظلم، لا مجرد محطة جديدة في مسار خيبات الأمل المتراكمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.