أوما علمت أيها الحارث إدريس أن المهلهل، صاحب المقولة، بعد طول لسانه، وقع أسيراً وعاش طريداً ونازحاً في اليمن حتى قتله خادمه، بينما تشتت قومه ونزحوا إلى الجزيرة الفراتية؟
أما بلغك كم دفعت قبيلة تُغلب ثمناً لرأس جساس؟ دماً، وخراباً، وتشتتاً، وأجيالاً أكلتها الحروب؟ ثم رحيلاً عن الديار؟.
أما بلغك أيها الحارث أن قوم المهلهل حاقت بهم ــ بدارج اللغة ــ مِيِتة وخراب ديار؟.
أما بلغك أن الذي كسر شوكة المهلهل وأسره، ثم أعتقه، وهزم جيشه وبعثره، هو من سُمّيتَ أنت عليه: الحارث، الذي اعتزل الحرب دهرا، صاحب مقولة «لا ناقة لي فيها ولا جمل»؟.
ولأنها، في وصف قائد الجيش نفسه، حرب عبثية، اختار سفيره الحارث بن إدريس استعارة مقولة جاهلية خرجت إلى محفل الأمم المتحدة من قلب ثقافة الثأر والانتقام والعصبية؛ من حرب البسوس، أعتى الحروب عبثية!..
“اخسؤوا وبُؤوا بشِسْعِ نعل كليب”؟
وما أنا ممن يُقحم قلمه ليدافع عن دول لم تعقر.. لها أبناؤها وبناتها الذين يكتبون ويذودون عنها إن شاءوا.. فأشتم يا حارث دولة الإمارات العربية المتحدة بما شئت، لغة الضاد غنية بما يكفي من الشعر والنثر.. ولكن، أولم تجد يا حارث غير مقولة جاهلية تستلفها من حرب البسوس؟.
إنما أنا أدافع عن رايتنا التي كانت ترفرف بين أعلام الأمم في جلسات الأمم المتحدة فتهتز القاعات تصفيقاً حين يرتجل المحجوب خطبة.. يا لبؤسنا الآن.
رجعنا بعد نصف قرن أو يزيد، إلى مقولات ومأثورات الجاهلية الأولى.. وفي الجاهلية ماذا؟ حرب البسوس.. أنت، يا حارث ببساطة.. ختمت على حرب (الكرامة).. بختم حرب البسوس.. فهنيئاً للبساوسة!
قبيلة تُغْلب لم تكن من أشعل شرارة حرب البسوس؛ بل كانت في البداية، إن أردنا الحق، معها الحق. فقد مسّ الضرُّ أحد سادتها على يد أحد أبناء قبيلة بكر، فقتله غيلةً، لأنه انتاش بسهمه ثدي ناقة.. ناقة البسوس، المرأة التميمية التي لا تنتمي إلى بكر ولا إلى تغلب.
كليب هو الرجل الذي أدمى ثدي الناقة التي رجعت تنزف فقتله جساس.. فكانت شرارة الحرب؛ حرب البسوس. حرب امتدت عقوداً بين بكر وتغلب، دفع الطرفان ثمنها من دماء الفرسان والشباب.. أربعون عاماً والدماء تسفك.. والأرواح تهدر والأوصال تقطعها السيوف.. جف خلالها الزرع والضرع.. كلما حاول زعماء وسادة قبائل العرب الإصلاح بين الفريقين المتحاربين، أبناء العمومة، صرخ المهلهل، شقيق كليب القتيل وكبير تُغلب: كلا، كلا، بل بس!..
الحارث بن عباد، من قبيلة بكر، كان قد أعرض عن الحرب منذ بدايتها، وهو صاحب مقولة: «لا ناقة لي فيها ولا جمل». وبلغة هاشتاق اليوم: #لا_للحرب.
منذ البداية كان الحارث يرى أن حرباً اندلعت بسبب ناقة لا تخص بكر ولا تغلب، لا تستحق أن تبتلع قبيلته ولا أبناء عمومتهم قبيلة الطرف الآخر.
كانت الحرب قد أكلت الأخضر واليابس وأثكلت النساء وقهرت الرجال.. فأرسل ابنه «بُجير» فداءاً ليقتله المهلهل ثأراً لكليب ويحقن ما بقي من دماء القبيلتين..
لكن المهلهل، على غير عادة عرب الجاهلية، ضرب عنق الغلام الأعزل ثم سفه دمه و قال مقولته الجاهلية الشهيرة التي استعارها الحارث إدريس في محفل أممي: «بُؤْ بشِسْعِ نعل كليب»… اي ان دمه ليس عوضاً عن دم كليب، انما عن رباط نعله.. العبارة كانت جديرة بنقل الحارث بن عباد من معسكر الحياد و«لا للحرب» إلى معسكر “بل بس”.
شقّ الحارث غبار الحرب لأول مرة في معركة «تحلاق اللمم». دخل الحارث القتال بقوة حليم غاضب، فانقلب ميزان الحرب لمصلحة بكر . وتم أسر المهلهل نفسه.
ويحفظ التاريخ للحارث بن عباد أن كلمته كانت كلمة رجال.. أطلق سراح المهلهل، قاتل ابنه وفاءً بوعد قطعه له وهو أسير: أن يطلق سراحه إذا دلّه على مكان المهلهل.. فدلّ المهلهل على نفسه، وبرّ الحارث بوعده.
ثم تروي كتب السير أن الحارث بن عباد أقسم ألا يصالح تغلب حتى «تكلمه الأرض».. بعد «تحلاق اللمم» كانت تُغلب تحتاج لوسيط صلح، ولكن الوسطاء والزعماء من القبائل المجاورة كانوا قد سئموا من محاولات الصلح بين بكر وتغلب وكفوا عن إرسال وسطاء الصلح بعد مقتل بُجير.. وحينما اشتد أوار الحرب على التغلبيين لم يجدوا بداً من حفر سَرَبٍ تحت الأرض، وإدخال رجل تحت الأرض، لتتحدث الأرض!.
فلما مر الحارث ناداه الرجل التغلبي نصف المدفون:
أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقْ بعضنا
حنانيكَ، بعضُ الشر أهونُ من بعضِ
ويرى الرواة أن الحارث بن عباد اعتبر أن الأرض قد كلمته، فكفّ وكفت بكر عن القتال.
حرب البسوس، أيها الحارث، لم تترك لنا فقط «شِسْع نعل كليب»، تركت لنا أيضاً:
“بعض الشر أهون من بعض”.. معادلة الحرب كلها: أيُّ الضررين أهون؟ الاستمرار في الحرب أم إيقافها؟..
تركت لنا دموع المهلهل ندماً.. وتركت حكمة الحارث بن عباد.. تركت لنا دروس البدايات وعِبر النهايات..
فيا حارثاً، بعض الشر أهون من بعض..
فأي نصر هذا الذي تسترد فيه رأس جساس، ثم تدفع ثمنه أرضاً ودماءً وأجيالاً مشردة؟..
الجنجاويد شرُ.. لكن الحرب شرها أكبر.. استمرار الحرب يعني: أن كل مليشيا ستتحول إلى جنجاويد وأن كل مليشيا ستحكم دولة.. أو تعلم كم عدد المليشيات الحليفة للجيش الآن؟ فكيف إذا عرفت أن هناك جنجاويد بروماكس، بالأحضان؟..
أما بلغك أيها الحارث أن المهلهل، سواء اختار طائعاً اعتزال قومه والرحيل إلى اليمن، أم هم رفضوا اصطحابه معهم إلى الفرات بعد الهزيمة، تبقى الحقيقة واحدة: تشتّت تُغلب؟
أما قرأت أن المهلهل، عدي بن ربيعة، الشهير، بل الأشهر، بـ«الزير سالم» بكى على فرسان القبيلتين الذين أفنتهم الحرب، ويُنسب إليه إنشاده:
كُلَّ يَوْمٍ أَبْكِي خِيَارَ بَنِي وَائِلَ حَتَّى كَلَّتْ جُفُونُ السُّهَادِ
هَلَكَ الحَيَّانِ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ وَتَمَادَى القَوْمُ فِي الفَسَادِ
لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِلزَّمَانِ رُجُوعٌ … بَعْدَ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالبِعَادِ؟
كُنَّا جِبَالاً فِي المَكَارِمِ وَالعُلَا … فَصِرْنَا خَبَاراً فِي مَتَالِفِ الوَادِي
أيها الحارث، هل ننتظر منك في الجلسة القادمة استلاف عَجُز البيت: «بعض الشر أهون من بعض»؟.
أم ستستلف عبارة الجرو بن كليب، الشهير بالهجرس، وهو… يحلف: بفرسه وأذنيه؟.
وَكُنْتُ أَقُودُ الجُيُوشَ عِظَاماً … فَصِرْتُ أُقَادُ بِأَيْدِي العِيَالِ..
عدي بن ربيعة التغلبي، بالمهلهل، و الشهير بالزير سالم..
و ما أكثر من كانوا يقودون الجيوش..ثم صاروا يُقادون بايدي العيال!..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.