رؤي نقدية من الثورة كأداة لإسقاط السلطة إلى الدولة كمشروع لم يكتمل وهنالك الكثير،،،
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
هناك تواريخ لا تغادر الذاكرة الوطنية لا لأنها تستعيد أحداثاً مضت فحسب، لكن تكشف علاقة المجتمع بالدولة. وفي السودان، يأتي أكتوبر حاملاً سؤالاً يتجاوز ذكرى الثورة إلى جوهر المأزق الوطني وهو ماذا تغيّر منذ ثورة أكتوبر 1964 وماذا بقي حتى اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023؟
من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985، ثم ديسمبر 2018–2019، أثبت السودانيون قدرتهم على إسقاط الأنظمة حين تبلغ أزمة الحكم ذروتها. غير أن كل انتصار شعبي أفضى إلى مرحلة انتقالية جديدة، من دون إعادة تأسيس الدولة على قواعد مستقرة. فعادت المؤسسة العسكرية إلى السياسة بعد أكتوبر وأبريل وظل الصراع حول طبيعة الدولة ومركزيتها وعلاقتها بالأقاليم بلا تسوية تاريخية. وهنا تكمن المفارقة، كانت الثورة أقوى من النظام، لكنها أضعف من بنية الدولة التي ورثتها.
أكتوبر 1964.. إسقاط الحكم العسكري، كانت ثورة أكتوبر محطة فارقة في التاريخ السياسي السوداني. فقد تحولت احتجاجات الطلاب والنقابات والمهنيين إلى إضراب عام وعصيان مدني واسع، وانتهت بتنحي الفريق إبراهيم عبود في 21 أكتوبر 1964، وفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية ثم عودة الحكم المدني.
لكن الثورة رغم قوتها الشعبية، لم تنشئ عقداً سياسياً جديداً يحسم القضايا الأعمق وهى علاقة المركز بالأقاليم والحرب في الجنوب وطبيعة النظام الدستوري ودور الجيش في الحياة السياسية. وبعد سنوات قليلة عاد الجيش إلى السلطة بانقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري. وهكذا ظهر الدرس الأول وهو إسقاط النظام لا يعني بالضرورة تغيير قواعد إنتاج السلطة.
أبريل 1985 عودة الثورة وبقاء السؤال، بعد أكثر من عقد ونصف تكرر المشهد في سياق مختلف. فقد تراكمت الأزمات الاقتصادية والسياسية واستمرت الحرب في الجنوب وتصاعدت الاحتجاجات في مارس وأبريل 1985، فانحاز وزير الدفاع الفريق عبدالرحمن سوار الذهب وكبار قادة القوات المسلحة إلى إنهاء حكم جعفر نميري في 6 أبريل. تولى المجلس العسكري الانتقالي السلطة، ثم بدأت مرحلة انتقالية انتهت بانتخابات عامة في أبريل 1986 وحكومة مدنية ائتلافية.
لكن التجربة لم تعالج جذور الأزمة. فقد ظلت الحرب والانقسامات الحزبية والأزمة الاقتصادية والصراع حول هوية الدولة حاضرة وبعد نحو أربع سنوات وقع انقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، ليدخل السودان مرحلة طويلة من الحكم السلطوي. وبدا أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه، انتفاضة، انتقال، خلافات، انسداد سياسي، ثم عودة العسكر.
ديسمبر 2018–2019 ثورة أكبر وتحدٍّ أعمق،
جاءت ثورة ديسمبر بعد ثلاثة عقود من حكم عمر البشير ونجحت الاحتجاجات في إجباره على التنحي في 11 أبريل 2019. لكن التحدي هذه المرة لم يكن تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل إعادة بناء الدولة. حاولت الوثيقة الدستورية الموقعة في 17 أغسطس 2019 تنظيم مرحلة انتقالية تشارك فيها مكونات مدنية وعسكرية، فنصت على مجلس للسيادة ومجلس للوزراء، وإنشاء مجلس تشريعي انتقالي لم يكتمل تشكيله، كما أكدت الانتقال إلى الحكم المدني وإصلاح مؤسسات الدولة.
غير أن صيغة الشراكة عكست استمرار السؤال القديم الا هو من يملك السلطة النهائية؟ وهل يمكن بناء نظام مدني ديمقراطي في ظل مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية قوية لا تخضع بالكامل للرقابة المدنية؟ جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 لينهي عملياً الشراكة الدستورية ويكشف هشاشة الانتقال، قبل أن تندلع الحرب في أبريل 2023.
من ثورة الشارع إلى حرب الجنرالات، في 15 أبريل 2023، اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعدما كان الخلاف حول ترتيبات الانتقال وإدماج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة من أبرز ملفات المرحلة الانتقالية. وسرعان ما اتسع القتال من الخرطوم إلى مناطق واسعة من البلاد. هنا تغيرت طبيعة الأزمة جذرياً. فلم يعد الصراع تنافساً على تشكيل الحكومة أو إسقاط رئيس، لكن تحول إلى حرب مسلحة مست مؤسسات الدولة والسيطرة على الأرض والاقتصاد والخدمات العامة. وأدت الحرب إلى نزوح واسع وانهيار قطاعات حيوية واتساع الكلفة الإنسانية والسياسية. وبذلك انتقل السودان من أزمة نظام إلى أزمة دولة.
ما الذي تبدل؟ تبدلت أدوات الصراع فبعد أن كانت الإضرابات والعصيان المدني والاحتجاجات الجماهيرية وسائله الأساسية، أصبحت المواجهة المسلحة محور الأزمة. كما تغيرت خريطة الفاعلين، فلم يعد المشهد محصوراً في الأحزاب المدنية والمؤسسة العسكرية والحركات السياسية، بل أصبحت التشكيلات المسلحة ذات القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية جزءاً مركزياً من معادلة السلطة. وتغيرت كلفة الفشل السياسي. ففي السابق، كان الانسداد يقود إلى انقلاب أو انتفاضة أو حكومة انتقالية جديدة، أما بعد 15 أبريل فأصبح ثمنه خراب المدن وتعطيل مؤسسات الدولة ونزوح ولؤجئ وقتل وفقدان أعداد كبيرة من السكان، وتراجع الخدمات واتساع الفقر والخوف.
لكن السؤال الأهم هو ما الذي لم يتبدل؟ وما الذي بقي ثابتاً؟ بقيت مشكلة بناء الدولة المركزية من أكثر القضايا إلحاحاً. فقد شهد السودان محاولات متكررة لتنظيم الحكم المحلي والإقليمي والفيدرالي، لكنها ارتبطت غالباً بالأنظمة الحاكمة، ولم تتحول إلى تسوية وطنية مستقرة تضمن مشاركة حقيقية للأقاليم والمجتمعات في القرار والتنمية. وظلت تجارب اللامركزية تعاني التسييس وضعف الشفافية والمساءلة. وبقيت مشكلة الدستور. فمنذ الاستقلال، تعاقبت دساتير انتقالية ومؤقتة وتعديلات واتفاقات سلام، من دون عقد دستوري دائم يحسم علاقة الدين بالدولة ومركزية السلطة وتقاسم الموارد والحكم الإقليمي والعلاقة بين المدني والعسكري.
كما ظل سؤال الهوية الوطنية مفتوحاً. فالسودان بلد متعدد الأقاليم والثقافات والمكونات، ولا يمكن بناء دولته عبر توسيع سلطة المركز وحده، لكن عبر صيغة سياسية تعترف بالتنوع وتحوله من مصدر صراع إلى أساس للمواطنة.
وقبل ذلك كله، بقي حضور المؤسسة العسكرية في السياسة. وهذه ليست مسألة مرتبطة بشخص أو حكومة، بل نتيجة تاريخ جعل تغيير الحكومات لا يعني بالضرورة تغيير العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية.
من إسقاط الأشخاص إلى إعادة تأسيس الدولة، تكشف مسيرة أكتوبر وأبريل وديسمبر أن الثورات السودانية لم تفشل في إسقاط الأنظمة، فقد أثبت المجتمع قدرته على كسر احتكار السلطة وإجبار الحكام على الرحيل. لكن المشكلة أن الثورة كانت تنجح في فتح الباب، ولا تنجح دائماً في تحديد شكل البيت الذي سيقام خلفه.
فإسقاط عبود لم يحسم طبيعة الدولة وإسقاط نميري لم يمنع انقلاب 1989 وإسقاط البشير لم يؤدِّ إلى انتقال مدني مستقر، ثم جاءت حرب 2023 لتضع الدولة أمام امتحان وجودي.
لذلك، لا ينبغي أن تُفهم استعادة السودان باعتبارها استعادة للعاصمة أو المؤسسات والخدمات فقط، بل بوصفها فرصة لإعادة تعريف الدولة نفسها. فالسودان يحتاج إلى دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة والمساءلة والتوزيع العادل للموارد والحكم المحلي الحقيقي ومؤسسة عسكرية مهنية خاضعة للسلطة المدنية وعقد دستوري يشارك السودانيون في صياغته.
أكتوبر ذكرى الثورة أم مراجعة الدولة؟، كلما حل أكتوبر نستعيد صورة الجماهير التي أسقطت أول نظام عسكري بعد الاستقلال. لكن الأهم من استعادة الصورة هو قراءة ما حدث بعدها. فالسؤال هو ليس من أسقط النظام؟ بل لماذا لم ننجح بعد كل هذه الثورات في تأسيس نظام دولة يمنع تكرار الأزمة؟
بين أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2018–2019، برهن الشعب السوداني على قدرته على الثورة. أما بعد 15 أبريل 2023، فقد أصبح المطلوب أكبر من ثورة جديدة؛ أصبح المطلوب تأسيساً جديداً للدولة. ذلك هو الفارق بين تغيير السلطة وتغيير الدولة. فالأولى قد تحدث في يوم، أما الثانية فتحتاج إلى عقد وطني ودستور ومؤسسات وعدالة وتوزيع متوازن للسلطة والثروة، وإرادة سياسية تتجاوز منطق الغلبة.
ولعل أكتوبر، بعد أكثر من ستة عقود، لا يعود إلينا بوصفه ذكرى ثورة فقط، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً هل آن للسودان أن ينتقل من ثورات إسقاط الحكومات إلى مشروع تأسيس الدولة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.