حين تكون الأرض التي تُخرج ثروتها لتنير مدن الآخرين غارقة في العتمة والحرمان وحين تُحرق سماؤها وتُسمم مياهها هنا يصبح الصمت جريمة بالنسبة لي فالأمر يتجاوز حدود القضايا العامة فالآبار المشتعلة بغازها في مواقع الإنتاج والأنابيب التي تعبر أرض أجدادي وتحديداً أرض عائلتي في منطقة أم عدارة وحقل البرصاية والتي وقفت عليها بنفسي مرات عديدة قبل الحرب كلها شواهد على الظلم حيث لحق بعائلتي كغيرنا من اهل غرب كردفان من إجحاف وما أسطره هنا ليس تقريراً ولا بحثاً بل موقف فانا اري أرضي تُنهب وأهلي يمرضون وشبابي يموتون ولأن زمن السكوت انتهى أوانهُ كان لزاماً أن يُقال الحق.
إن هذا الاستهداف الممنهج لم يبدأ اليوم بل جذوره ضاربة منذ زمن حكومة الإنقاذ وما زال مستمراً إلى يومنا هذا دون انقطاع الأمر الذي جعل أبناء المنطقة يتذمرون طوال تلك العقود وظلوا يعارضون هذا الظلم والنهب المنهجي بكل الطرق وصولاً إلى يومنا هذا ونتجت عن ذلك عدد من الحركات المطلبية ومقاومة تعبيراً عن رفض هذا الإقصاء المتواصل.
ومن أبرز صور هذا الإهدار المستمر ما يحدث في حقول النفط بالفولة مربعي 4 و6 حيث يُحرق الغاز المصاحب للبترول في الهواء مباشرة دون استغلاله مهْدراً قيمة تُقدَّر بـ 10 ملايين دولار يومياً وفقاً لما صرّح به وزير الطاقة والتعدين الأسبق عادل علي إبراهيم فهذا الغاز لو استُغل لكان كفيلاً بتشغيل محطة كهرباء الفولة بقدرة 460 ميجاواط وإنتاج 350 طناً من غاز الطهي يومياً لكن ما يحدث هو العكس تماماً ثروة تُحرق وبيئة تُلوَّث وإنسان يعيش في ظروف قاتلة بينما نسائنا يبحثن عن حطب لطهي الطعام مع ان مدن ومناطق بابنوسة وهجليج و بليلة و نيم و البرصاية والفولة و سنيطاية و مومو والفردوس وموقة وأبو جابرة زحقل دفرة وزرقة أم حديد هي حقول ومناطق بترولية يخرج منها النفط ورغم غناها بهذه الموارد تجدها غارقة في ظلام دامس بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة فإذا لم تستفد هذه المدن والمناطق من البترول المستخرج من أراضيها فمن يستفيد.
لقد عاش أبناء هذا الإقليم في مظالم متراكمة فولاية غرب كردفان هي أغنى ولاية في السودان وكان من المفترض أن تكون الأولى فهي ولاية منتجة للبترول لكن خيرها ينهب و يُترك أهلها في قاع الظلم وكل ما يخرج من الارض لم يذهب لتنمية الإقليم بل ذهب إلى جيوب القطط السمان وجزء منه وُظّف في إنشاء سد مروي والقرى النموذجية التي رُحّل إليها سكان الأراضي التي أُقيم عليها السد حتى حصة الأربعة في المائة المفترض عودتها للولاية ذهبت إلى مشاريع في ولايات أخرى وتُركت غرب كردفان بلا مدارس ولا مستشفيات ولا طرق ولا إنارة إن المسؤولية المجتمعية ليست ترفاً بل واجب وحين يُستخرج البترول من أرض يجب أن يقابلها تنمية حقيقية في التعليم والصحة وفي إنشاء المستشفيات المتخصصة لعلاج الأمراض الخطرة كالسرطانات الناتجة عن البترول لكن ما حدث هو أن الإنسان لم يستفد شيئاً سوى مخلفات تسيل على أرضه وغاز يحترق فوق رأسه وماشية تنفق وإنسان يموت.
وهذا التأثير لمخلفات البترول السائلة ليس مجرد تلوث بيئي عابر بل أزمة صحية وبشرية يمكن لأي شخص أن يرى آثارها بوضوح قرب الآبار فقد تضررت منظومة الحياة بالكامل فأصيبت أعداد كبيرة من نسائنا بالعقم وظهرت السرطانات بأنواعها وسط خطر حقيقي على الأجيال القادمة كما أصيبت الحيوانات بالعقم ونفقت منها أعداد هائلة فتراجعت سبل عيش الرعاة وتلوثت التربة والمياه ففقدت الأرض خصوبتها ويمتد هذا الظلم إلى حق العمل إذ يُحرم أبناء المنطقة من الوظائف في قطاع البترول ولا يُعيَّنون حتى في أدنى درجاتها بينما يأتي العاملون من مناطق معينة من شمال السودان وقد كان التعيين والسيطرة قديماً يتم عبر الأجهزة الأمنية واليوم يسير الأمر على النهج ذاته حيث يستفيد الدعم السريع من البترول وله حصة يأخذها وفقاً للاتفاق الثلاثي بين حكومة بورتسودان وحكومة جنوب السودان والدعم السريع لتُصرف هذه العوائد على المجهود الحربي بينما إنسان الولاية محروم من أبسط حقوقه حيث بقي أكثر من 350 شاباً وشابة ممن درسوا النفط والكليات المتخصصة بلا استيعاب ولدينا كشف بأسمائهم.
وأمام هذا الاستنزاف المزدوج يقف شبابنا ليتمزقوا على جبهتين فأبناء المسيرية في ولاية غرب كردفان هم أكثر من يدفع الثمن في هذه الحرب شباب صغار في السن كان مفترضاً أن يبنوا مستقبل ولابتهم ومن ثم السودان حيث جدوا أنفسهم يقاتلون في صفوف الجيش أو الدعم السريع في حرب لا تمثلهم أبناء غرب كردفان يموتون مرتين مرة بسبب مخلفات البترول والأمراض والسرطانات ومرة على جبهات القتال بينما يتعرض الإنسان وموارده لطمس وإبادة بطيئة تستوجب الوقف الفوري وكل ذلك يحدث في ظل وجود شبكات فساد محيطة بالقطاع واعترافات رسمية بسطوة الأجهزة الأمنية السابقة عبر إدارة أمن البترول التي افتعلت الأزمات واستحوذت على الأموال فضلاً عن نهب زيوت التشغيل وتعيين أشخاص بلا مؤهلات عبر المحاصصة السياسية وتوظيف الإدارة الأهلية توظيفاً سالباً لتفتيت النسيج الاجتماعي.
إن المطلوب اليوم ليس وعوداً ولا لجاناً شكلية بل عقد اجتماعي جديد يقوم على رد حقوق المواطن الأساسية في التعليم والصحة والمياه والكهرباء والشفافية الكاملة في إدارة قطاع البترول بعيداً عن الهيمنة الأمنية والمحاصصة واستغلال الغاز المصاحب في توليد الكهرباء وإنتاج غاز الطهي بدلاً من حرقه ومحاسبة المفسدين ممن أهدروا الموارد ونهبوا المال العام وتعويض المتضضرين صحياً وبيئياً وتنموياً ووقف استنزاف الشباب وحمايتهم من الموت مرضاً أو اقتتالاً وإشراك مجتمعات الحقول في إدارة ثرواتهم لا إقصاؤهم عنها.
غرب كردفان تنتج البترول لكن البترول لا ينتج غرب كردفان تنتج الثروة ولا تنتج المدارس تنتج الغاز ولا تنتج الكهرباء وتفقد شبابها وأجيالها بين الأمراض وحروب الآخرين ومن يريد أن يحافظ على الناس من الانقراض عليه أن يوقف هذا الاستنزاف أولاً ومن يريد عقداً اجتماعياً جديداً عليه أن يبدأ من غرب كردفان وما كتبته ليس تقريراً بل رأي أؤكد فيه أن المسؤولية الاجتماعية ليست ترفاً بل حق.
وآخر قولي ما ضاع حق وراءه مطالب حتماً سنتمسك بحق غرب كردفان في الحياة والعدالة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.