في 18 مايو 2026 أعلن أبو بكر شبو استقالته من رئاسة تجمع السودانيين بالخارج “صدى” ، ذراع العمل الخارجي للحركة الاسلامية ، وكتب في بيانه كلاماً يتجاوز بكثير حدود الاستقالة الإدارية. تحدث عن “بعض الإخوة” وعن أشخاص كانوا “في ذات الصف الذي وقفنا فيه دفاعاً عن الجيش”، وقال إن الخلاف تحول إلى “رغبة دفينة في الإهلاك والإقصاء وكسر العظم”. ثم عاد لاحقاً عن استقالته. المفارقة هنا في أن الرجل كتب كل ذلك ثم اختار البقاء.
ما قاله شبو في 18 مايو يحتاج إلى قراءة هادئة، لأنه لم يكن يتحدث عن خصومة مع معسكر سياسي آخر. كان يتحدث عن خصومة داخل الصف الذي قاتل معه سياسياً دفاعاً عن الجيش والدولة. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في الرسالة كلها. عندما يشعر أحد أبناء المعسكر الواحد أن الخطر يأتيه من داخله، فهذا يعني أن الخلاف تجاوز الاختلاف في المواقف إلى صراع على النفوذ والموقع والتمثيل.
عبارة “الإهلاك والإقصاء وكسر العظم” ليست لغة خلاف إداري عادي. إنها تعبير عن صراع أصبح شخصياً وقاسياً، وعن شعور بأن هناك من يريد إخراج الآخر من المشهد. ولا تكفي يريد القول إن هناك تطهيراً منظماً داخل الحركة الإسلامية وكشف عن بيئة صراعية تجعل هذا السؤال مطروحاً بقوة.
واللافت أن شبو لم يساو بين دعمه للجيش ودعمه لأشخاص محددين. عندما يقول “قاتلنا لأجل الدولة لا لأجل الرجال”، فهو يضع فاصلاً سياسياً مهماً بين الدولة ومن يتولون مواقع داخلها. وهذه العبارة يمكن أن تكون مفتاحاً لفهم جانب من الخلاف، لأن المرحلة المقبلة ستشهد صراعاً على تعريف من يمثل مشروع الدولة ومن يملك حق التأثير في مستقبلها.
الحرب جمعت تيارات وشخصيات تحت عنوان الدفاع عن الجيش والدولة ومواجهة الدعم السريع. هذا الاصطفاف أخفى خلافات داخلية، لكنه لم يلغها. ومع امتداد الحرب بدأت الحسابات المؤجلة تظهر: من يملك النفوذ؟ من يمثل التيار الإسلامي؟ من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟ ومن سيكون له حضور في السودان بعد انتهاء الحرب؟
من هذه الزاوية، تصبح استقالة شبو في 18 مايو ثم تراجعه عنها أكثر دلالة من الاستقالة وحدها. فلو كانت المسألة خلافاً عابراً لانتهت بالاستقالة. أما أن تصل الأزمة إلى إعلان الانسحاب بهذه اللغة ثم يعود صاحبها، فهذا يعني أن هناك حسابات أخرى دخلت على الخط، سواء تعلق الأمر بالمؤسسة التي يرأسها، أو بالمعسكر الذي ينتمي إليه، أو برغبته في عدم ترك الساحة لمن يرى أنهم يعملون على إقصائه.
لا نملك تفسيراً معلناً من شبو يحدد بصورة قاطعة لماذا تراجع عن الاستقالة، ولذلك لا يصح اختراع رواية جاهزة. لكن التراجع لا يلغي مضمون الاستقالة. ما قيل في لحظة الغضب أو الاحتقان يكشف في كثير من الأحيان ما لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءه، خصوصاً عندما تأتي العبارات بهذه المباشرة.
كما أن حديثه عن “خفايا الأمور” التي لا يستطيع كشفها يزيد من مساحة الأسئلة. إن شبو شخصية كانت في موقع قيادي شعرت بأن الصراع داخل الصف بلغ درجة دفعتها إلى إعلان الاستقالة.
القضية لذلك تتجاوز أبو بكر شبو. ما ظهر في تجربته يلامس أزمة أوسع داخل التيار الإسلامي والبيئة المؤيدة للجيش. الحركة الإسلامية أمام مرحلة مختلفة، والحرب أعادت توزيع النفوذ داخل السودان وداخل التيارات التي شاركت في دعم الدولة. الصراع الذي كان مؤجلاً بسبب أولوية الحرب بدأ يظهر مع تغير الظروف.
السؤال الحقيقي ليس لماذا استقال شبو فقط، وإنما لماذا شعر أن الاستقالة هي المخرج في 18 مايو، ثم لماذا رأى لاحقاً أن العودة أفضل من المغادرة؟ الإجابة الكاملة لا تزال عنده وعند الأطراف التي كانت جزءاً من الأزمة، لكن تسلسل الأحداث وحده يقول إن الخلاف لم يكن بسيطاً.
الحركة الإسلامية ستواجه بعد الحرب سؤالاً صعباً حول علاقتها بالدولة والجيش والمجتمع. هل ستتعامل مع الدفاع عن الدولة باعتباره مشروعاً و مدخلا لاستعادة نفوذ سياسي وتنظيمي؟ وهل تستطيع إدارة اختلافاتها الداخلية دون أن يتحول الخلاف إلى إقصاء وكسر للعظم؟
استقالة شبو ثم تراجعه عنها تقدم نموذجاً صغيراً لصراع أكبر. إنها تكشف عن أزمة ثقة وصراع نفوذ داخل الصف الذي وقف مع الجيش. وهذا ربما يكون أحد أهم الاختبارات التي ستواجه الحركة في المرحلة المقبلة.
فالسودان بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها، والقوى التي خرجت من الحرب لن تدخل المرحلة السياسية الجديدة بالمواقع نفسها. ومن لا يراجع علاقته بالسلطة والنفوذ والدولة، قد يجد أن الصراع الداخلي أصبح أكثر كلفة من الصراع الذي جمع الجميع في خندق واحد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.