بعد إضراب الأطباء.. فصل جماعي في مستشفى بالأبيض وتصاعد أزمة القطاع الصحي

تقرير: عين الحقيقة

تُواصل الأزمة الصحية والخدمية في السودان اتساعها لتطال ما تبقى من المرافق الطبية الصامدة في الولايات؛ حيث أقدمت إدارة مستشفى الضمان الاجتماعي بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، على إنهاء خدمة 17 طبيباً بشكل جماعي، وذلك على خلفية دخولهم في إضراب عن العمل للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين بيئة العمل الضاغطة. وتأتي هذه الخطوة التعسفية في وقت تشهد فيه مدينة الأبيض ومناطق شمال كردفان ظروفاً اقتصادية وأمنية بالغة القسوة، مما يهدد بتوقف كامل للخدمات الطبية وتشريد الكوادر الصحية المتخصصة.
مطالب مهنية وإقالة شفهية
تفجرت الأزمة عقب رفع الأطباء المضربين مذكرة رسمية لإدارة المستشفى تضمنت حزمة من المطالب المالية والمهنية. وأفاد أحد الأطباء المفصولين بأن الأطباء لجأوا للتصعيد والإضراب اعتباراً من 4 أكتوبر 2026، بعد رفض الإدارة الاستجابة المسبقة للمذكرة أو فتح باب التفاوض للتوصل إلى اتفاق يراعي حقوق العاملين.
حيث أوضح طبيب أن الراتب الحالي للطبيب بالمستشفى لا يتجاوز 285 ألف جنيه سوداني شهرياً، وهو مبلغ تهاوت قيمته الشرائية في ظل التضخم وارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن المذكرة طالبت برفع الراتب الأساسي إلى 900 ألف جنيه، إلى جانب تعديل النسب المالية المرتبطة بالخدمات الطبية لضمان الاستمرارية.
ولم تتوقف المطالب عند الجانب المالي، بل شملت تحسين بيئة العمل المتردية، وتعديل نظام الضغط المهني عبر اعتماد “ربط سريري” يحدد 10 مرضى لكل طبيب في الطوابق و5 مرضى فقط في قسم العناية المركزة، مع زيادة المستحقات بنسبة 100% عند تجاوز هذه الأعداد، لضمان سلامة المرضى وجودة الرعاية.
وفي رد فعل عاجل حاسم، أبلغ المدير العام للمستشفى الأطباء شفهياً بقرارات الفصل، موجهاً الموارد البشرية بإعداد خطابات إنهاء الخدمة فوراً، واستعان بالكوادر الأمنية لإخراج الأطباء المفصولين من مقر المستشفى في حال امتناعهم عن المغادرة.
تصفية للكوادر ومجازفة بسلامة المرضى
في تصريح خاص لمنصة عين الحقيقة، علّق أحد الأطباء الاستشاريين في كردفان على قرار الإدارة قائلاً: “إن التعامل مع مطالب الأطباء بلغة النهي والفصل الجماعي يعكس نهجاً إدارياً قاصراً يجهل طبيعة العمل الطبي. المطالب التي قدمها الزملاء ليست رفاهية، بل هي الحد الأدنى لمنع انهيار الجسد الطبي وسوء الرعاية. إن تحديد عدد المرضى لكل طبيب هو أصل من أصول السلامة الطبية لمنع الأخطاء القاتلة الناجمة عن الإرهاق. إخراج 17 طبيباً دفعة واحدة من مستشفى حيوي كـ ‘الضمان’ يعني الحكم بالإعدام العملي على قسم الطوارئ والعناية المكثفة.”
اقتصاد السخرة
من جهة أخرى، أكد خبير اقتصادي ومحلل للشأن السوداني، في حديثه لـ عين الحقيقة، أن الأزمة المالية في المؤسسات العلاجية هي امتداد للانهيار الشامل في المنظومة الاقتصادية: “إن راتب 285 ألف جنيه سوداني في ظل التضخم المتداعي وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية لم يعد يكفي لتغطية تكلفة التنقل والوجبات اليومية للطبيب. إدارة المستشفيات تحاول التملص من استحقاقات العاملين لتغطية عجزها المالي عبر تجويع الكوادر، وهو ما يُعرف باقتصاد السخرة. هذا النهج سيؤدي حتماً إلى هجرة جماعية للكوادر الطبية المتبقية خارج الولايات أو خارج البلاد بالكامل، مما يسرّع بانهيار مؤسسات القطاع الخاص والجامعي التي تعتمد عليها الولايات.”
تملص من المسؤولية وتعميق للأزمة
يؤكد هذا التصعيد في مستشفى الضمان الاجتماعي بالأبيض أن السلطات القائمة تعجز عن معالجة جذور الأزمات الخدمية والاقتصادية، وتلجأ بدلاً من ذلك إلى الحلول الأمنية والقرارات التعسفية التي تزيد من معاناة المواطنينالذين يواجهون الغلاء وانعدام الدواء وأبسط مقومات العلاج. وتظل مطالب الأطباء المستندة لبيئة عمل آمنة وأجر عادل شرطاً أساسياً لعدم إغلاق ما تبقى من نوافذ العلاج في وجه المواطن السوداني المجهد بالتداعيات المعيشية والصحية للحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.