استعادة الوطن تبدأ بإسقاط سلطة الحرب: لماذا أضحى تنظيم الحراك الشعبي ضرورة وجودية؟

نورا عثمان

تجاوزت الكارثة في السودان كل حدود التوصيف السياسي والتحليل النظري، لتدخل البلاد في مرحلة الوجود أو اللاوجود. فبينما تتواصل المحرقة لشهور طويلة وتتآكل جغرافية الوطن تحت قصف المدافع وطموحات القادة العسكريين، تواصل سلطة الانقلاب في بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان التمسك بشرعية البندقية، غير أبالية بانهيار الدولة الشامل، ولا بتشريد الملايين، ولا بضياع مستقبل أجيال بأكملها.
إن الحقيقة العارية التي لم يعد يقبلها التردد أو المداراة هي أن سلطة الانقلاب العسكري وداعميها من الفلول والكتائب العقائدية ليست طرفاً في حل الأزمة، بل هي الأصل والجذر لكل هذه الكوارث. ومن هنا، يبرز تنظيم الحراك الشعبي والمدني مجدداً ليس كخيار سياسي مطروح للمفاضلة، بل كضرورة وجودية وحيدة لإنقاذ ما تبقى من الأرض والإنسان.
إن الرهان على قدرة السلطة العسكرية على إنتاج السلام أو استعادة الدولة هو رهان على السراب؛ إذ أثبتت الوقائع أن استمرار الحرب هو الأداة الوحيدة التي تستمد منها هذه السلطة مبررات وجودها وبقائها في المشهد. وفي ظل هذا الانسداد، تتجلى أهمية إعادة هيكلة وتنظيم الحراك الشعبي في الشارع عبر نقاط استراتيجية محددة: توحيد القوى المدنية والثورية حول هدف إسقاط سلطة الحرب: لا يمكن للحراك الشعبي أن يحقق فاعليته الميدانية دون بناء جبهة مدنية صلبة تتجاوز الخلافات الحزبية والمحاصصات الضيقة، وتتكتل حول هدف واحد واضح: “إنهاء الانقلاب، إيقاف الحرب، وتفكيك بنية التمكين العسكري والأمني”.
تحويل الرفض الشعبي المشتت إلى فعل مقاوم ومُنظّم: إن ملايين السودانيين المكتوين بالجوع، والنزوح، وغلاء الأسعار، وفقدان الأمان، يمثلون القوة الحقيقية للتغيير. لكن هذه القوة ستظل هشة ما لم تُؤطر في أشكال تنظيمية مرنة (لجان مقاومة، نقابات أجسام خدمية، ومبادرات مجتمعية) تملك الرؤية والقدرة على الشلل السياسي والعصيان.
نزع مشروعية “شرعية البندقية” والتصدي لخطاب الحرب: يجب أن يعمل الحراك الشعبي على فضح خطابات التعبئة التي تجر الشباب إلى المحرقة لصالح بقاء الجنرالات في السلطة، وإرساء مفهوم أصيل مفاده أن السلام العادل والتحول المدني الديمقراطي هما الممر الوحيد للاستقرار والأمن الاجتماعي.
ربط قضية إيقاف الحرب بوقف الانتهاكات والمحاسبة: إن الشارع المنظم هو الضامن الوحيد لإغلاق الباب أمام أي “خروج آمن” لمرتكبي جرائم الحرب ومشعليها، والتأكيد على أن أي عملية سياسية قادمة يجب أن تتأسس على العدالة الانتقالية والمحاسبة الصارمة دون استثناء.
إن الشعب السوداني الذي بهر العالم بثورته السلمية في ديسمبر المجيدة، وقدم أروع دروس الصمود في وجه أعتى الأنظمة الشمولية، قادرٌ اليوم على استعادة بوصلته وتنظيم صفوفه من جديد.
إن إسقاط حكومة البرهان الانقلابية وإيقاف هذه الحرب اللعينة ليسا أمنيتين ينتظر السودانيون هديتهما من عواصم الإقليم أو المجتمع الدولي، بل هما واجب وطني وأخلاقي يصنعه الشارع المُنظّم بإرادته الحرة، لتسقط سلطة الحرب وتعود السلطة مدنية كاملة للشعب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.