حين يأكل المواطن وعوداً على الغداء

محمد سراج محمد

 

يبدو أن «حكومة الأمل» تعيش في بلدٍ آخر؛ بلدٍ لا ترتفع فيه الأسعار، ولا تنطفئ فيه الأنوار، ولا يضطر فيه المواطن إلى ممارسة رياضة ذهنية شاقة كل صباح ليفهم كيف يمكن لدخله أن ينتهي قبل أن يبدأ الشهر.

في بلدنا، صار الاقتصاد مسرحاً أسود، والمواطن هو الجمهور والممثل والضحية في آنٍ واحد. الأسعار تصعد، الدخول تهبط، والخدمات تتوارى كما لو أنها ارتكبت جريمة وتخشى أن يعثر عليها أحد. أما البيانات الرسمية، فتصل في مواعيدها؛ فالحكومة، على الأقل، ما زالت قادرة على إنتاج الكلمات حين تعجز عن إنتاج الطمأنينة.

يا حكومة الأمل، هل انتبهتم إلى أن الأمل نفسه بدأ يحتاج إلى دعمٍ نقدي؟

حين يفقد الناس قدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية، لا تعود الأزمة مجرد أرقام في تقرير اقتصادي؛ تتحول الأرقام إلى مزاج عام، والمزاج العام إلى غضب، والغضب إلى سؤال سياسي كبير: من المسؤول، وإلى متى؟

وهنا تبدأ الحكاية التي لا تحب الحكومات سماعها.

فقدان الثقة لا يأتي عادةً ببيان رسمي. لا يقرع الباب ولا يقدم بطاقة تعريف. يتسلل بهدوء، حين يسمع المواطن وعداً جديداً فيتذكر عشرة وعود قديمة، وحين يرى مسؤولاً يتحدث عن المستقبل بينما هو منشغل بكيفية عبور الحاضر.

والاحتجاجات والإضرابات، متى تصاعدت، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد «إزعاج للسلطة». إنها، في جانب منها، لغة اجتماعية تقول إن قنوات التعبير المعتادة لم تعد تكفي. لكنها في الوقت نفسه لا تعني تلقائياً أن البلاد دخلت مرحلة ثورية؛ فالتاريخ أكثر تعقيداً من منشور غاضب على مواقع التواصل.

أما انقسام النخب ومؤسسات الدولة، فله قصة أخرى. حين تختلف مراكز القرار على الطريق، بينما المواطن عالق في حفرة الطريق، يصبح السؤال: من يقود؟ وإلى أين؟

ثم تظهر قوى وحركات ترفع راية التغيير. بعضها يطالب بإصلاحات، وبعضها يريد تغييراً أوسع، وبعضها قد يقدم حلولاً لا تقل غموضاً عن الأزمة نفسها. وهنا يصبح المشهد أشبه بسفينة تتقاذفها الأمواج، فيما يتجادل ركابها حول لون الستائر.

فهل هذه بوادر أزمة ثورية؟

ربما. وربما هي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة لم تصل بعد إلى تلك المرحلة. والفرق بين الاحتمالين ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه الفرق بين قراءة التحولات بحذر وبين تحويل الغضب الشعبي إلى نبوءة جاهزة.

لكن المؤكد أن المجتمعات لا تنهار بسبب ارتفاع الأسعار وحده، ولا بسبب الاحتجاجات وحدها، ولا بسبب فقدان الثقة وحده. الخطر يكمن في تراكم الأزمات حين تبدأ كل أزمة في تغذية الأخرى: اقتصاد يضغط على المجتمع، ومجتمع يفقد ثقته بالسياسة، وسياسة عاجزة عن إنتاج حلول مقنعة، ومؤسسات تتشقق تحت وطأة الصراع.

وهنا تحديداً ينبغي على «حكومة الأمل» أن تنتبه.

فالأمل ليس شعاراً يُعلّق على الجدران، ولا مؤتمراً صحفياً، ولا جملة براقة في مقدمة خطاب. الأمل، ببساطة شديدة، هو أن يشعر المواطن أن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

أما إذا أصبح المواطن مضطراً إلى تناول الوعود على الغداء، وشرب البيانات الرسمية مع العشاء، وانتظار الإصلاحات حتى الإفطار…

فقد تكتشف الحكومة، في لحظة لا تحبها، أن الصبر الشعبي ليس خزينةً حكومية، وأن للانتظار سقفاً، وللأزمات ذاكرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.