يتساءل المواطن السوداني في خيم النزوح المتهالكة، وعلى معابر اللجوء المذلة، وتحت القصف اليومي الذي لا يتوقف: هل كُتب على هذا الشعب العظيم الشقاء الأبدي؟ سؤالٌ لا ينبع من عبث، بل من واقع مرير يُعصر فيه جسد الوطن بين فكي تاريخ مكبل بالاستبداد وحاضر يلتهمه الدمار الشامل.
ثلاثون عاماً عجافاً أهدرت فيها الحركة الإسلامية مقدرات البلاد، ودمرت بنتيها التحتية والاجتماعية، وزرعت الفتن في كل شبر، وحولت السودان إلى سجن كبير يديره الهوس العقائدي والفساد الممنهج. ثلاثون عاماً من القمع والتجويع واستغلال الدين، ظن فيها السودانيون أن ثورة ديسمبر المجيدة قد قطعت رأس الأفعى وفتحت أبواب أمل لا يسد، ليعود الجنرالات وفلول النظام المباد ليرتدوا البزة العسكرية من جديد، وينقلبوا على تطلعات الشعب في الحرية والسلام والعدالة.
ولم يكتفِ عبد الفتاح البرهان وطغمة الانقلاب بمصادرة أحلام ديسمبر، بل فتحوا أبواب الجحيم عبر هذه الحرب اللعينة التي أشعلتها كتائب الإخوان لحرق الوطن وإعادة إنتاج التمكين المباد. سنوات من الانقلاب والحرب الكارثية جرت البلاد إلى قاع سحيق:
تشرد ونزوح ولجوء: ملايين العائلات الكريمة باتت بلا مأوى، تفترش الأرض وتلتحف السماء في معسكرات العوز داخل البلاد وخارجها.
موت ودمار مادي ومعنوي: مستشفيات مُدمرة، مدارس ومؤسسات خاوية، وبيوت نُهبت ودُمّرت على رؤوس أصحابها.
جوع ومجاعة كاسحة: تجويع ممنهج يُستخدم كسلاح حرب ضد مواطنين لا حول لهم ولا قوة.
إن هذا الشقاء ليس قضاءً وقبلاً محتوماً، بل هو “صناعة إخوانية-عسكرية” بامتياز. هو نتيجة ارتهان قرار المؤسسة العسكرية لكتائب ظل عقائدية لا تبالي بتمزيق السودان وتشريد شعبه في سبيل بقاء جنرالاتها على سدة السلطة وتأمين خروجهم من المحاسبة.
لكن التاريخ يُعلمنا أن إرادة الشعوب أعتى من بوق البنادق وأطول عمراً من جحيم المستبدين. لن يطول هذا الشقاء، ولن تضيع دماء الشهداء وعذابات الملايين هباءً. إن كسر هذه الحلقة الشرير يبدأ بوعي الشارع المُنظّم، وإيقاف هذه المحرقة فوراً، وإسقاط سلطة الانقلاب والحرب، ليعود السودان إلى أهله: دولة مدنية ديمقراطية تُحاسب القتلة وتصون كرامة الإنسان.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.