فاتورة الموت الملعونة: ما الذي كان يمكن أن تبنيه أموال الحرب بدلاً من هذا المحو الشامل؟
تيسير المبارك
تأكل هذه الحرب الملعونة الأخضر واليابس، وتواصل طحن العظام وحرق الأرض في مجزرة مجانية لا تكف آلتها عن الدوران. بين كل طلقة تُطلق، ودقائق القصف بالمدفعية والطيران، وحمم الصواريخ التي تتساقط على رؤوس الأبرياء، تغرق بلادنا في مستنقع الدمار والعدم. لكن هل توقف تجار الموت وجنرالات الموت لحظة واحدة ليحسبوا فاتورة هذه الجريمة؟ هل تساءل هؤلاء القتلة كم كان يُمكن لهذه المليارات المحترقة في أتون السلاح والذخائر والمستنفرين أن تمنح السودانيين من حلم وحياة؟
إن الأموال المهولة التي أُهدرت وما زالت تُسكب بغزارة لشراء العتاد، وتمويل الميليشيات، وجلب المسيرات، وتغطية تكاليف المحرقة اليومية، لم تكن مجرد أرقام في ميزانيات عسكرية، بل كانت شريان الحياة المقتطع من أجساد أبناء هذا الشعب. إنها أموال كان يمكن أن تُحول السودان من صحراء من الوجع والجوع إلى دولة رفاه واستقرار لا تحتاج للرجاء أمام أبواب المنظمات الدولية!
كم مستشفى ومركزاً صحياً كان يمكن أن يُشيد؟ بدلاً من إغلاق وتدمير أكثر من 80% من مستشفيات العاصمة والولايات، وبدلاً من طرد الأطباء وفصلهم وتشريد المرضى ليواجهوا الموت بكتتم وصمت، كانت مليارات الحرب كفيلة ببناء أكبر المدن الطبية المتكاملة في كل ولاية سودانية، وتوفير أجهزة الأشعة المقطعية والدواء المجاني لكل طفل ومسنّ بدلاً من تحويل الشفخانات إلى ثكنات عسكرية.
كم مدرسة وجامعة كان يمكن أن تفتح أبوابها؟ بدلاً من تحويل المدارس إلى مراكز إيواء للبؤساء والنازحين أو أهداف للقصف العشوائي، وبدلاً من ضياع مستقبل ملايين الطلاب الذين أُجبروا على ترك مقاعد الدراسة، كانت هذه الأموال قادرة على إعادة بناء المنظومة التعليمية بالكامل، وتشييد آلاف المدارس الحديثة، وتجهيز المعامل، وتوفير بيئة تعليمية تليق بأجيال السودان القادمة.
كم جسراً وطريقاً وشرياناً حيوياً كان يمكن أن يربط أطراف الوطن؟ بدلاً من تفجير الجسور التاريخية، وتدمير محطات الموقت والكهرباء، وشل شبكات الصرف الصحي والمياه، كانت تكلفة أسبوع واحد من إدارات هذه الحرب الكارثية كافية لتعبيد آلاف الكيلومترات من الطرق القارية، وإقامة الجسور التي تربط قُرى الهامش بالمراكز، وإنهاء عزلة المناطق المنسية.
كم مشروعاً زراعياً ومجالاً إنتاجياً كان يمكن أن ينقذ 19 مليون سوداني من طاحونة المجاعة؟ بدلاً من حرق المحاصيل، وتجويع المواطنين، واستخدام الغذاء كسلاح حرب، كانت هذه المليارات كفيلة بإعادة إحياء مشروع الجزيرة، وتطوير الزراعة المطيرة والحيوانية، وتوفير السيولة والمصانع التي تجعل من السودان سلة غذاء حقيقية للعالم لا مجرد ضحية تنتظر معونات معبر “أدري”!
إنها حرب بلا شرف وبلا هدف، سوى التمكين للكرسي وخدمة أطماع الكتائب العقائدية وأمراء الدم. إن كل أسبوع يستمر فيه هذا الصراع القذر هو سرقة متجددة لمستقبل أبنائنا، وجريمة مكتملة الأركان تضاف إلى سجل القتلة.
أوقفوا هذه الحرب فوراً.. إنها ملعونة! أوقفوا الموت الذي يلتهم إنسان السودان، وافتحوا الطريق لإرادة الشعب في بناء دولته المدنية، فالحياة والحجر والإنسان أحق بهذه الأموال من بنادقكم التي لا تنتج سوى الركام والعدم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.