سد النهضة: حين يسأل النوبي السوداني نخب القاهرة: أين كانت موافقة إثيوبيا يوم أقمتم السد العالي؟
عمار نجم الدين
(الزاد إذا ما كفاش أهل البيت يحرم على الجيران ).. هكذا جرت العادة في صميم الثقافة الشعبية المصرية، تميمةً تحمي الحق الأول لأصحاب الدار وتجعل العطاء مرهوناً بالوفرة والاكتفاء. لكن المفارقة الكاشفة لخواء هذا الخطاب حين يُسقط على جغرافية النيل وأرض إثيوبيا، هي أن هذا النهر العظيم ينبض بالأصل من أرضها، ومن فوق ترابها يتفق عطاؤه؛ ومع ذلك ترتدي النخبة المصرية رداء الوصاية المطلقة لتتعامل مع المنبع كأنه تابع مستباح، متناسية تماماً منطق مثلها الشعبي الذي يقرر أن صاحب البيت الأول هو من يملك حق تقرير مصير زاده.
بمداد يحمل جرح الهامش وصرخة التاريخ الذي لم يُروَ بعد، ونفوراً من صلَف المركز وعورات الخطاب الشوفيني الذي دأب على معاملة دول الحوض كحديقة خلفية، نقف اليوم أمام مشهد سياسي وتاريخي شديد السخرية والازدواجية؛ تخرج علينا النخبة المصرية، ومعها عقليتها الاستعمارية المتجذرة التي لا تزال تنظر إلى إفريقيا بعين الاستعلاء والتبعية، لتتباكى على السيادة المائية وتطالب بموافقات مسبقة وحقوق مقدسة في مياه النيل. متناسية أن التاريخ القريب يكتظ بصفحات سوداء دامية سدد فيها السودان، لا سيما أهله النوبيون، الفاتورة الكاملة والدموية لأول سد عملاق أقيم في جغرافية الوادي: السد العالي.
لم يكن بناء السد العالي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مجرد مشروع هندسي، بل كان زلزالاً سوسيولوجياً وثقافياً دمر الهوية والأرض والتاريخ. ولن تنسى الذاكرة النوبية قطارات التهجير القسري الأولى في تاريخ السودان الحديث، تلك التي حملت أهالي وادي حلفا قسراً بعيداً عن مساقط رؤوسهم، تاركين خلفهم سبعة آلاف عام من الحضارة والتاريخ المدفون تحت مياه بحيرة النوبة، التي يسميها المركز بحيرة ناصر. لقد وقّعت حكومة الخرطوم العسكرية على الاتفاق، لكن أحداً لم يسأل أصحاب الأرض، فخرجت حلفا محتجة عام 1960 على قرار لم تُستشر فيه، في مشهد يكشف أن المركز في الخرطوم والمركز في القاهرة قد يختلفان في الشعار، ويتفقان على قمع الهامش. ولم يكن نوبيو مصر أوفر حظاً من أشقائهم في الجنوب؛ فقد اقتُلعوا هم أيضاً من قراهم، ليكون النوبي على ضفتي الحدود هو الضحية، والنخبة على ضفتي القرار هي المستفيد.
وحين نروي حكايات النوبيين وقسوة التهجير، يكفينا أن نتذكر نموذجاً صارخاً وموجعاً لشخصية نوبية سودانية مثل المناضل والراحل المقيم محيي الدين فضل، الذي عاش ألم الاقتلاع من أرض الآباء والأجداد، حيث لم يُمنح الأهالي فرصة لنقل رفات أسلافهم ولا حماية بيوتهم التاريخية، بل رُحّلوا في رحلة تهجير قسري بلا رحمة نحو أرض غريبة لم يختاروها، لتتحول قرى النوبة ومدنها التاريخية إلى قاع مغمور، بينما بقيت حرقة النفي والشتات تورث أجيالاً تبحث عن وطنها الضائع تحت الماء. لقد أضاء السد العالي مدن مصر وقراها ومصانعها، وغذى النهضة العمرانية والصناعية في الشمال المصري، لكن هذا الضياء نفسه كان في المقابل ظلاماً وغرقاً وخراباً في السودان، حيث دفع النوبيون والسودانيون عامة ثمن السد العالي من أجسادهم وهوياتهم واستقرارهم. واليوم تأتي النخبة ذاتها التي استنزفت جنوب الوادي لتصعّد بلا خجل ضد حق إثيوبيا المشروع في التنمية.
إن أزمة النخبة والنظام في مصر لا تنفصل عن عقلية المستعمر التاريخي الذي لا يرى في إفريقيا سوى مورد مستباح. وقد تجلت هذه النظرة المتعالية حين تقدمت الدبلوماسية الكينية إيفون خاماتي بمذكرة رسمية تتهم مسؤولاً مصرياً بوصف أبناء جنوب الصحراء بعبارات عنصرية (مثل كلاب وعبيد)، لتكشف حقيقة الاحتقار المبطن في أروقة القاهرة تجاه الأفارقة كأتباع لا أنداد.
واليوم تسأل النخبة إثيوبيا باستعلاء عن سدها، متناسية أن مصر أقامت سدها العالي دون استشارة المنبع الإثيوبي الذي يمد النيل بخمسة وثمانين بالمئة من مياهه، عبر اتفاقية مغلقة عام 1959 جعلت نصيب المنبع صفراً، لترفع اليوم “الحقوق المكتسبة” سيفاً على التنمية. وحين نواجه هذا الصلف، نستحضر صرخة الإمام علي: «وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار… فأنصفونا إن كنتم تؤمنون»، فما احتججتم به اليوم هو ما صادرتموه بالأمس.
لقد ردد السودانيون «مصر الشقيقة» متناسين الأرض، حتى جاءت محنة اللجوء لتكشف زيف الشعارات؛ فبينما واجه السودانيون في مصر التضييق وخطاب الكراهية العنصري، فتحت إثيوبيا أبوابها مستقبلةً الأشقاء لا الضيوف، ليصدق فيها قول المصطفى: «اذهبوا إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد»، مع العتب للنخبة لا لعامة الشعب المصري الذي يدفع ثمن استبداد مركزه. وفي هذه المفارقة المأساوية يتجلى الفرق بين «نخبة» القاهرة المتعالية و«نكبتنا» في ظل أوهام الهيمنة، حيث يعيش المنبع والمصب «نوراً وظلاماً»، ويلتقي «الماضي الباكي والمستقبل الآتي» على عتبات نهر لا يغفر الجحود.
إن دعم السودان لإثيوبيا هو انحياز للعدالة التاريخية، فسد النهضة يحقق التنمية المتوازنة بعيداً عن الوصاية، وقانونياً يتهاوى الخطاب المصري أمام اتفاقية عنتيبي التي أعلنت انتهاء عصر الاحتكار الاستعماري وحق دول المنبع في الاستخدام المنصف.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.