تحركات الخماسية والرباعية وتمديد مجلس الأمن لحظر الأسلحة… هل أبدى البرهان مرونة للتفاوض؟
أواب عزام البوشي
تتقاطع في السودان اليوم ثلاثة مسارات ضاغطة: تحركات الآليتين الخماسية والرباعية الدولية، وقرار مجلس الأمن بتمديد نظام العقوبات «تقنيًا»، والضغوط الأمريكية المتصاعدة المرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية. وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال محوري: هل أبدى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مرونة حقيقية للتفاوض، أم أن ما نراه ليس سوى جولة جديدة من المراوغة التكتيكية؟
أولًا: تحركات الخماسية والرباعية.. ضغط متصاعد نحو الحوار
تتحرك الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وإيغاد، بوتيرة متسارعة. فقد عقدت مشاورات مع قوى سياسية سودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الاثنين 12 أكتوبر، لاستكمال الترتيبات المتعلقة بتشكيل اللجنة التحضيرية للحوار السوداني. وتشمل القوى المشاركة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» والكتلة الديمقراطية، إضافة إلى أطراف سياسية أخرى.
وتتزامن هذه التحركات مع نشاط مكثف للرباعية الدولية «الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات»، التي عقدت اجتماعها المشترك الأول مع الخماسية في نيويورك يوم 23 سبتمبر. ودعا المشاركون فيه إلى «تنسيق أوثق بين المسارين السياسي والأمني، واتخاذ تدابير للحد من العنف وحماية المدنيين، والتحضير لآليات مراقبة والتحقق». كما أكدوا «عدم وجود حل عسكري للصراع»، وضرورة «عملية سياسية شاملة يمتلكها ويقودها السودانيون».
ثانيًا: تمديد مجلس الأمن.. مهلة اختبار أم إدارة أزمة؟
في 8 أكتوبر، اتخذ مجلس الأمن قرارًا بالإجماع بتمديد نظام العقوبات على السودان «بصورة تقنية» لمدة شهرين فقط، حتى 11 ديسمبر، مع تمديد ولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير. ويُستخدم مصطلح «التمديد التقني» في أروقة مجلس الأمن للإشارة إلى قرار موجز يمدد ولاية بعثة أو نظام دون تغيير جوهر الولاية، وعادة ما يكون ذلك لفترة أقصر من المعتاد.
والأهم أن الولايات المتحدة سحبت مقترحًا كان يهدف إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، ومعالجة مسألة الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا الاستخدام المزدوج، بسبب معارضة روسيا التي تمتلك حق النقض. وهذا هو التمديد الثاني من نوعه خلال شهرين، بعد تمديد لمدة شهر واحد في 11 سبتمبر، بسبب الخلافات ذاتها حول توسيع نطاق الحظر.
ثالثًا: فجوة الخطابين.. تحليل بنية المراوغة
تشكل الفجوة بين خطاب البرهان الخارجي وخطابه الداخلي المظهر الأبرز لما يمكن توصيفه بالمراوغة السياسية المنهجية.
خارجيًا: كشف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، عن لقاء جمعه بالبرهان على مائدة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة، على هامش الاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي. وقال بولس إن واشنطن جددت التزامها «بدفع الحل السياسي للأزمة، والمساهمة في إنهاء الحرب». ويأتي هذا اللقاء النادر بعد أقل من أسبوعين على حرمان واشنطن البرهان من تأشيرة الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
داخليًا: بعد يوم واحد فقط من لقاء بولس، صرّح البرهان أمام حشد في منطقة أمري بالولاية الشمالية: «لا تفاوض مع الدعم السريع، ولا مع أي جهة أخرى»، مضيفًا: «نحن دولة مؤسسات، لذلك من يقرر في أمر المفاوضات والسلام والحرب هو مجلس الأمن والدفاع». وأكد عزمه على «الاستمرار في دحر التمرد والقضاء عليه»، وجدد التأكيد على أن القوات المسلحة ستمضي قدمًا في «تحرير كل شبر من أرض السودان».
هذا التناقض الصارخ ليس جديدًا، بل هو نمط راسخ في سلوك البرهان السياسي. فقد أشارت تقارير إلى أن البرهان «قدّم ملاحظات رسمية إلى المفاوضين الأمريكيين بشأن خطة السلام التي طرحها مسعد بولس، دون إبداء تنازلات للمضي قدمًا في التسوية السياسية». ويكشف تحليل آخر، استنادًا إلى «وثيقة مسربة»، أن الجيش السوداني وافق على المبادرة الأمريكية التي تتضمن هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، لكنه اشترط الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها، وهو شرط تعجيزي يفرغ الاتفاق من مضمونه. واتهم مراقبون البرهان بـ«المراوغة والخداع واللعب على جميع الأوراق»، مشيرين إلى أنه «كان ينكر بإصرار وجود مفاوضات، إرضاءً للإسلاميين الذين يتمسكون بالحسم العسكري».
رابعًا: الدوافع البنيوية.. لماذا يناور البرهان؟
لا يمكن فهم سلوك البرهان بمعزل عن السياق البنيوي للضغوط المتشابكة التي يواجهها. ويمكن تحديد أربعة دوافع رئيسية:
1. الضغط الاقتصادي الخانق
يعاني السودان من انهيار اقتصادي غير مسبوق. فقد تجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه في السوق الموازية، وارتفع سعر جوال السكر من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفًا، فيما قفزت أسعار الدقيق بنحو 50 في المائة. وأرسلت 24 شركة سودانية تعمل في مجال النفط مذكرة إلى البرهان تطالب بمراجعة عاجلة لضوابط استيراد الوقود وتمويله. هذا الوضع يجعل استمرار الحرب باهظ التكلفة سياسيًا واقتصاديًا، ويدفع البرهان إلى إظهار حد أدنى من الانخراط الدبلوماسي لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات جوهرية.
2. الملف الكيميائي والتهديد بالمحاسبة الدولية
يشكل ملف الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية ضغطًا نوعيًا على البرهان. فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قرارًا رسميًا بموجب قانون السيطرة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، خلص إلى أن «حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي»، وقررت فرض عقوبات إضافية على السودان في 23 يونيو 2026. وتشمل هذه العقوبات معارضة تقديم أي قروض أو مساعدات مالية أو تقنية من البنوك التنموية متعددة الأطراف للسودان، وتقييد صادرات السلع والتكنولوجيا.
3. العلاقة المعقدة مع الحركة الإسلامية
تؤكد تقارير في «أخبارك» أن البرهان «تحول إلى واجهة عسكرية لإعادة إنتاج النظام القديم»، وأنه «يبذل وعودًا وراء الكواليس بأنه سيتخلص من نفوذ الإسلاميين…
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.