ما الذي جعل السعودية تحاول الانسحاب من المنطقة القابلة للانهيار إلى الدائرة الآمنة؟!
ولهذه الأسباب قدمت الدعوة رسمياً لـ”صمود” لزيارتها.
طيف أول:
من ضفافك ياوطن تنثال الحكايات بما لا يليق بالمدائن الشاهدة على عبور الضوء.. كشف الله عتمتك.
والمواقف السياسية الثابتة هي دائماً ما تكون الوقود الذي يمنح أي حزب أو تحالف سياسي قوة الوجود والتأثير محلياً وخارجياً.
ومن قبل، عندما اعترضت القوى المدنية على مضمون الورقة الخماسية وقاطعت اجتماعها، عادت الخماسية بأسلوب جديد للتعامل مع القوى المدنية بالموافقة على إشراكها في صياغة النصوص السياسية وبلورتها وفقاً لرؤيتها.
وكذلك عندما حاولت المملكة العربية السعودية التواصل مع بعض الشخصيات المدنية من قيادة “صمود”، وبدأت الاتصال مع شخصيات مدنية بعينها وتجاهلت التحالف وقيادته، تمسك “صمود” بتماسكه كتحالف واجتاز أصعب المراحل “رغبة تفكيكه لصالح البرهان”.
وتمسكت القوى المدنية بموقفها الرافض لشرعنة البرهان أو للمحاولات الإقليمية التي تريد أن تضع خارطة جديدة بعيداً عن الورقة الدولية بتفصيل ضيق على مقاس المصالح لهذه الدول.
وكما ذكرنا من قبل، إنه وكلما قبض “صمود” على يمين وحدته، كان تقسيمه منالاً صعباً لخصومه.
فموقفه الثابت قد يجعله الفاعل السياسي القادر على تشكيل خارطة الطريق الإقليمية حسب مطالبه السياسية الوطنية.
وكانت هذه المواقف السياسية السابقة التي اتخذتها القوى المدنية لها دلالاتها في ميزان الصراع السياسي السوداني، مما أحدث تغييراً كبيراً في ميزان القوى، ومما يعيد ترتيب المشهد السياسي والنظرة الإقليمية للحل.
وبالأمس طرحنا سؤالاً هنا: هل تقدمت المملكة العربية السعودية بدعوة لتحالف “صمود” لزيارتها؟ الإجابة حسب مصادرنا هي: نعم.
لكن هل سيتوجه “صمود” إلى زيارة السعودية؟ فهذا ربما يتم لاحقاً، سيما أن “صمود” لن يتحرك إلا بعد أن يطمئن قلبه إلى ماهية الدعوة وتفاصيلها، وهل غيرت السعودية مضمونها أم أنها اكتفت فقط بتغيير الغلاف الخارجي؟
لكن الناظر لهذا التحول يرى أن الدعوة سابقاً كانت عبارة عن اتصالات سرية بشخصيات داخل التحالف، والآن أصبحت باسم “صمود” مما يعني أن هناك جديد على الطاولة
والسعودية كما ذكرنا اتخذت موقفا مفاجئاً للكثيرين من الشعب السوداني؛ لأنها من أهم الدول الإقليمية التي لعبت دوراً إيجابياً منذ بداية الحرب عندما فتحت أبوابها لأول منبر سلام في السودان ودعت الطرفين لطاولة الحوار، ولكن دعمها للبرهان في الفترة الأخيرة كان مباغتاً، إذ ساهمت في إطالة أمد الحرب بتقديم دعم مباشر للجنرال، سواء كان دعماً لوجستياً أم سياسياً أم اقتصادياً.
والآن، دعوتها لـ”صمود” هي بلا شك تصب في التحرك الإيجابي الذي لن يختصر في مسماه على أنه تحول في موقف السعودية، إنما سيكون له أثره على الإقليم.
فالآن تقدم الدعوة وهي تعلم أن الملف الذي بيد “صمود” يختلف عن الورقة التي في يدها الآن، سيما أنها سعت من قبل لتمرير ما بيدها ولكنها فشلت.
فلو كانت السعودية تتمسك برؤيتها القديمة، فـ”صمود” ظلت بعيدة عن مصر والسعودية لمواقفهما الداعمة للحرب وللبرهان، حتى أن الدولتين صاغتا بياناً ثنائياً دعمتا فيه حكومة البرهان وأعترفتا بشرعيته واتفقتا على الحفاظ على مؤسسات دولته.
ولكن، ما الذي جعل السعودية الآن تحاول الانسحاب من المنطقة القابلة للانهيار إلى الدائرة الآمنة؟
ففي رأيِي هناك عدة أسباب جوهرية:
يأتي أولها: أن أمن البحر الأحمر، والتهديد الحوثي، واستقرار السودان يشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمنية والعسكرية للسعودية في هذه المرحلة.
فهذا البعد يكشف كيف تؤثر حرب الحوثيين بشكل مباشر على الحسابات السعودية تجاه السودان.
لذلك تعتاش الاستراتيجية السعودية للبحر الأحمر على مبدأ الحفاظ على ممر ملاحي آمن وخالٍ من الميليشيات أو التهديدات العابرة للحدود.
مع تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتزايد الهاجس السعودي والإقليمي من احتمالية تحول السودان (بسبب فراغ السلطة وتفكك الدولة) إلى خاصرة دافئة أو حاضنة نفوذ مسربة للجماعات المسلحة والميليشيات المرتبطة بإيران أو الحوثيين على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
ثانياً: تعد مسألة “عزل البرهان أمريكياً” رسالة دبلوماسية قاسية لحلفائه مفادها أن واشنطن لا تنظر إلى قادة الحرب (سواء الجيش أم الدعم السريع) كشرعيات مسلّم بها.
وبالمقابل، تدرك السعودية أن واشنطن التي منعت البرهان من دخول أراضيها ، فتحت أبوابها لقوى التيار المدني، وعلى رأسها تحالف “صمود”، وهذا شكل تحولاً محورياً في التعاطي الدولي والإقليمي مع الأزمة السودانية.
إذ إن الموقف الأمريكي يعكس رغبة واشنطن في إعادة ترتيب أوراق الضغط نحو إنهاء الحرب عبر بوابة سياسية مدنية.
ثالثاً: الضغوط الدولية على الجنرال تزامنت مع صدور تقارير تسلط الضوء على الانتهاكات والتسليح (مثل الاتهامات المتعلقة ببرامج الأسلحة أو استخدام الطائرات المسيرة والكيماوي)، مما يزيد من كلفة الاستمرار في دعم الحرب.
رابعاً: لا شك أن السعودية تعمل بالتنسيق الوثيق مع واشنطن والشركاء الإقليميين، وعندما ترسل واشنطن إشارات صارمة بعزل قادة الحرب، تدرك الرياض ضرورة التكيف مع هذه المعادلة عبر توجيه دعوات والانفتاح على القوى المدنية مثل “صمود” لضمان ألا تسبقها التطورات.
لذلك، إن استجابة تحالف “صمود” للدعوة السعودية يجب أن تتوقف على كشف السعودية للمحتوى لتتحرك “صمود” على أرضية ثقة، كما أن الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التنسيق الوثيق والمشترك بين الدول الراعية للحل السلمي في السودان.
طيف أخير:
#لا_للحرب
حتى كتابة هذه الحروف لم تقل الحكومة السودانية شيئاً عن قتل المواطنين من أبناء الشعب السوداني لأنها تخشى أن تخدش مشاعر الحكومة المصرية! هل وصلنا إلى هذا الدرك الأدنى وأصبحنا شعباً بلا وجيع؟!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.