معركة الأجور تقترب.. هل يدخل المعلمون في مواجهة مع بورتسودان؟
تقرير: عين الحقيقة
تتجه أزمة التعليم في البلاد نحو مواجهة نقابية مفتوحة، في ظل تصاعد غضب المعلمين من تدهور أوضاعهم المعيشية وتراكم استحقاقاتهم المالية، وسط تلويح بوقف الدراسة وعدم السماح بانطلاق العام الدراسي الجديد قبل الاستجابة لمطالبهم. ويضع هذا التصعيد سلطة الأمر الواقع في بورتسودان أمام اختبار جديد، يتعلق بمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين في قطاع حيوي يواجه تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي.
وبينما تتزايد الضغوط على الأسر السودانية لتوفير احتياجاتها الأساسية، يجد المعلمون أنفسهم في مواجهة ارتفاع متواصل للأسعار وأجور لا تتناسب مع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن أولويات الإنفاق الحكومي، ومدى حضور التعليم في حسابات السلطة التي تدير شؤون البلاد من بورتسودان.
إضراب يهدد العام الدراسي
في مؤشر على اتساع دائرة الاحتقان داخل القطاع، أطلق معلمون في الولاية دعوات للإضراب والاعتصام، معلنين رفضهم الانصياع لنقابة وصفوها بأنها غير منتخبة ومسيّسة، ومتهمين إياها بخصم مبالغ من رواتبهم دون موافقتهم.
ورفع المعلمون شعار «لا عام دراسي قادم ما لم يتم رفع الأجور ودفع المستحقات»، في رسالة تعكس انتقال الغضب من مرحلة الشكوى الفردية إلى التلويح بتحرك جماعي قد يربك خطط استئناف الدراسة.
كما لوّح المعلمون بتقديم إجازات دون مرتب لأكثر من 50% من معلمي الولاية، في حال استمرار تجاهل مطالبهم، وهي خطوة من شأنها تعميق أزمة التعليم وتهديد قدرة المدارس على مواصلة عملها، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ولا تبدو الأزمة مجرد خلاف حول زيادة الأجور، بل تعبيراً عن اختلال أعمق في العلاقة بين الدولة والعاملين لديها، حيث تتراجع القدرة الشرائية للمرتبات، بينما تتراكم الالتزامات المالية دون حلول واضحة تنهي معاناة المعلمين أو تعيد الثقة في المؤسسات المعنية بإدارة القطاع.
مذكرة كسلا تضع الحكومة أمام مسؤولياتها
وفي خطوة تصعيدية، دفعت لجنة المعلمين السودانيين بولاية كسلا بمذكرة مطلبية إلى أمانة حكومة الولاية، طالبت فيها بالتنفيذ الفوري للاستحقاقات المالية، وتسوية الفروقات والمتأخرات، وتحسين الأجور بما يتناسب مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
وأوضحت اللجنة، في بيان اطلعت عليه «عين الحقيقة»، أن المذكرة تضمنت المطالبة بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء والمنشورات المنظمة للحقوق المالية للمعلمين، مشيرة إلى أن تسليمها يمثل بداية لتحرك نقابي يستهدف انتزاع الحقوق بعيداً عن الوعود والتأجيل.
ودعت اللجنة المعلمين والمعلمات إلى تعزيز وحدتهم النقابية والالتفاف حول لجنتهم والاستعداد للخطوات المقبلة، في إشارة إلى أن التحرك لن يتوقف عند حدود المخاطبات الرسمية إذا لم تُترجم المطالب إلى إجراءات ملموسة.
وتضع هذه الخطوة حكومة الولاية أمام مسؤولية مباشرة، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً أوسع بشأن دور السلطة المركزية في بورتسودان: كيف يمكن مطالبة المعلمين بمواصلة أداء رسالتهم في ظل تدهور معيشتهم، بينما تظل القرارات المالية المتعلقة بحقوقهم حبيسة الأوراق أو رهينة التأجيل؟
«أم المعارك النقابية» تقترب
من جانبه، وصف المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، رفع المذكرة بأنه خطوة في مسار انتزاع حقوق العاملين بقطاع التعليم، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في مواجهة ما اعتبره مماطلة في تنفيذ الاستحقاقات.
وقال الباقر إن الجولة المقبلة ستكون «أم المعارك النقابية»، مشدداً على أن حقوق المعلمين ليست منّة من أحد، وإنما استحقاقات واجبة التنفيذ، وأن الحصول عليها يتطلب وحدة الصف وتماسك الموقف النقابي.
وأضاف أن اللجنة تنتظر استجابة جادة تترجم القرارات الصادرة بشأن المستحقات المالية إلى واقع ملموس، يتناسب مع حجم المعاناة التي يعيشها المعلمون في ظل الارتفاع الحاد للأسعار.
وتكشف هذه التصريحات عن تراجع مساحة الثقة في قدرة المعالجات التقليدية على احتواء الأزمة، خصوصاً مع انتقال الخطاب النقابي من المطالبة بتنفيذ القرارات إلى التهديد بخطوات تصعيدية قد تشمل تعطيل الدراسة.
التعليم يدفع ثمن العجز الحكومي
في المحصلة، لا تواجه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان أزمة رواتب فحسب، بل تواجه اختباراً سياسياً واجتماعياً يتعلق بأولوياتها وقدرتها على حماية الخدمات الأساسية من الانهيار. فالتعليم ليس بنداً ثانوياً يمكن تأجيله بلا كلفة، والمعلم الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته لا يستطيع الاستمرار في أداء مهمته اعتماداً على الشعارات الوطنية أو الدعوات الأخلاقية وحدها.
وتزداد خطورة الأزمة لأن تعطيل الدراسة، إن حدث، لن يدفع ثمنه المسؤولون وحدهم، بل ملايين الأطفال والأسر التي أنهكتها الحرب والنزوح والفقر، وأصبحت فرص أبنائها في التعليم مهددة أصلاً بفعل انهيار المؤسسات التعليمية وتراجع الخدمات.
كما أن استمرار تجاهل المطالب المالية قد يوسع الفجوة بين المعلمين والجهات الرسمية، ويحوّل الخلاف حول الأجور إلى أزمة ثقة في إدارة القطاع، خصوصاً إذا ظلت القرارات الحكومية عاجزة عن تجاوز مستوى التصريحات والمكاتبات.
وأمام سلطة بورتسودان خياران واضحان: الاستجابة الجادة للمطالب، عبر جدول زمني معلن لتنفيذ الاستحقاقات وتسوية المتأخرات وتحسين الأجور، أو ترك الأزمة تتفاقم حتى يصبح الإضراب واقعاً يهدد العام الدراسي الجديد.
وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته ومستقبل أجياله، فإن تجاهل المعلمين لا يمثل مجرد إخفاق إداري، بل مخاطرة بمستقبل التعليم نفسه. فالحكومات تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية حقوق العاملين وضمان استمرار الخدمات العامة، لا بمجرد السيطرة على مؤسسات الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.